المنتدى الموريتاني لحفظ ذاكرة المقاومة

مشروع حفظ وتخليد ذاكرة المقاومة

تشكل ذاكرة المقاومة جزءا حيويا من الهوية الثقافية لكل شعب، وهي تعني كل ما يتعلق بمقاومة ذلك الشعب للمعتدي الأجنبي الذي يسعى إلى احتلال أرضه واستعباده...

               تفاصيل
أبطال المقاومة

سيديا ولد أحمدو ولد المختار المعروف بولد قطرب الديماني ، حياته وجهاده بقلم : د.سيد أحمد ولد الأمير

مع مداخلة فيديو من الدكتور سيد احمد ولد الأمير

 

سيديا بن أحمدُّ ولد المختار المعروف بولد قطرب الديماني ، حياته وجهاده

بقلم : د . سيدي أحمد ولد الأمير

 

سيديا ولد أحمدُّ ولد المختار ولد قطرب الديماني، فتى من الفتيان، وسيد من السادة الأعيان، ومجاهد وقائد في الميدان، من فخذ أولاد بابه أحمد من أولاد ديمان، وأسرته أسرة أهل قطرب المشهورة بالمكانة والسيادة والجاه والنجدة.

كان سيديا وجيها مكينا في منطقة الترارزة عند أمرائها وشيوخها، وزعمائها كما كان صيته ممتدا حتى في الشمال وفي الساحل بموريتانيا، وخصوصا عند قبائل أولاد دليم والرگيبات وغيرهم، وكان شيوخهم وأعيانهم يشفعونه ويكرمونه وله عندهم وجاهة ومكانة.

وقد مدحه الكوري بن عبد الله بن سيدنا الديماني بقصيدة في ذلك المعنى منها:

عَلَى سَرْحِنَا صَاحَ الدُّلَيْمُ وَغَيْرُهُمْ

  فَدَارَكَهُمْ دُونَ الْحَلِيلَةِ سِيدِيَا

وقد برز سيديا بشكل مبكر وعرفه الجميع فتى لامعا وأديبا مشهورا، وله أشعار باللهجة الحسانية من أجود الشعر الحساني. ومن ذلك قوله من “بَتْ بوعمران”، (وقد غناه المطرب الداه ولد انگذي في سَيْنِي كَرْ):

دُونْ مَرْيَمْ مِنْتْ اعْثَيْمِينْ

واوْلَيِّگْ لَحْمَرْ مِسْكِينْ

وُذاك معناهَ عَنْهَ بَيْنْ

  بُورْگَيبَه والْعِلْبْ الزَّينْ

وُدونْهَا بالظِّرْبَانْ اتبَانْ

تَامْرِزْگيت وُبِالظِّرْبَانْ

ومنه “گافه” الشهير من بت لبير:

يومْ الْ نَصْبَحْ عَنْدْ آجْغَيْدْ

يُوغَدْ جَمْلِي يَالشَّيْخِ سِيدْ

  رَايِحْ لِاگَرْمْ ابْجَاوِي

المُخْتَارْ الْكُنْتَاوِي

وفيه صورة من الصور الشعرية الجميلة.

جهاد سيديا ومحاربته للفرنسيين:

لم يحتمل سيديا بسط الفرنسيين نفوذهم على بلاده ولم ترقه الوضعية السياسية الجديدة، فتوجه مباشرة إلى آدرار حيث التأم جميع من يريد مقاومة الفرنسيين ويسعى إلى مقارعتهم من أمراء ووجهاء ومن أناس عاديين، وكلهم لا يريدون لهذا البلد أن يكون تحت قبضة الكفار.

وكان الشيخ ماء العينين وأبناؤه ساعين في تنظيم هذه المقاومة ومقتنعين بتأطيرها وراغبين في تسليحها، وكان سيديا بن أحمدُّ من أوائل من ترسخت عنده فكرة مباعدة الفرنسيين ومحاربتهم، وقد طبقها تاركا أهله وأملاكه ووسطه الاجتماعي الذي كان من أبرز فتيانه وأعز رجاله، فكل تلك الأمور التي تدعو للبقاء لم تغره ولم تقنعه رغم أنه كان غنيا سيدا وجيها في بيئته، فترك كل ذلك لوجه الله وحتى يبتعد عن أرض لامستها أقدام الكفار وخلبها الفرنسيون.

وقد ظل سيديا في طليعة المقاومة، وفي الصفوف الأولى من المجاهدين مع الأمير سيدي بن محمد فال وأخيه أحمد ولد الديد، ومع بني عمه ديديا ولد الشيخ أحمدُّ ولد اسليمان والجيلاني ولد أحمنَّ الديمانيين، وغيرهم من السادة الأفاضل والقادة الأوائل.

وقد خلد سيديا موقفه مبكرا من الاستعمار وقال ذلك النص الخالد في أدب الجهاد والهجرة وهو:

أحرَمْنِي يالرَّبْ امنْ النارْ

مَرّگْنِي كُولُنَلْ ادْيَارْ

گَسْتْ أطارْ وُجَانِي فأطارْ

وُگِسْتْ التَّل وُلاَنِي باغيهْ

يغيرْ ابْلَدْ كاملْ ما فيهْ

  عاگبْ ذَ من صَوْعْ الكفارْ

ما نتخمَّمْ عنهَ نرْحلْ

واتْركْتْ أطارْ إلْ كولنلْ

ما نبغِي كنتْ انْگِيسْ التَّلْ

كُولنَلْ ألاَّ متْعدَّلْ

وقد تزوج سيديا ولد قطرب من أم المؤمنين بنت مَالُكِيفْ بن سيدي أحمد بن امحمد شين، وهي شقيقة عيشه بنت مَالُكِيفْ، زوجة الأمير المجاهد سيدي ولد محمد فال، وله منها بنت توفيت صغيرة. وبعد سيديا تزوجها أحمد بن سيدي محمد بن الحسن وله منها ذرية. وأم المؤمنين وشقيقتها عيشه أمهما كَمْكُومَه بنت ببكر سيره، التي يقول فيها امحمد بن أحمد يوره رحمه الله تعالى (وقد غنته المطربة ديمي بنت آبه في التحرار):

قَدْ كُنْتُ أَكْتُمُ قِدْمًا حُبَّ “كَمْكُومَا”

وَكُنْتُ أَحْسَبُنِي “يَا بَرَّ” مُصْطَبِرًا

خَوْدٌ تُنَسِّي بِمَرْآهَا إذَا ابْتَسَمَتْ

  فَكَادَ يَظْهَرُ مَا قَدْ كَانَ مَكْتُومَا

عَنْهَا فَأَصْبَحَ رُكْنُ الصَّبْرِ مَهْدُومَا

مُدًّا مِنَ الْعَيشِ مَمْلُوحًا وَمَيْدُومَا

وكانت عند عمه المؤيد بن المختار أم المؤمنين بنت أعمر بن اعلي بن أعمر بوشارب بن امحمد بابانه بن اعلي شنظورة.

ذهاب سيديا في “غزِّى الأركابْ”

كان سيديا بن أحمدُّ ضمن وفد موريتاني كبير ورفيع المستوى ومكون من أربعمائة شخص، توجهوا كلهم مع الشيخ ماء العينين في السمارة، ومن السمارة اصطحبهم الشيخ ماء العينين إلى مراكش، حيث استقبلهم سلطان المغرب عبد الحفيظ بن الحسن الأول في 27 فبراير 1906م، وكانوا يريدون منه العدة والعتاد لمواجهة الفرنسيين.

وقد وعدهم السلطان بما يريدون، لكن تلك الوعود لم تتم مع الأسف لوقوع المغرب تحت الوصاية الفرنسية، ولعزل السلطان عبد الحفيظ وتعيين أخيه عبد العزيز بن الحسن الأول مكانه.

وبعد عودة وفود المقاومة من المغرب تذكر الروايات أن سيديا حضر معركة “النييملان” بتگانت، وهو يوم انتصرت فيه المقاومة على الجيش الفرنسي، وكان في رمضان 1324هـ أي أكتوبر 1906م. وفي تگانت تعرف سيديا على زعيم مشظوف الأمير اعلي محمود بن محمد محمود بن أحمد محمود بن لمحيميد وصارت بينهما صداقة ومودة.

تنسيقه الجهاد مع الشيخ عابدين الكتني ونفيه في تنبكتُ

التحق سيديا بالشيخ عابدين الكنتي الذي كان من زعماء المقاومة ضد الفرنسيين. وذكر المؤرخ الأرواني أبو الخير بن عبد الله، وهو قاضي تنبكتو وأروان، في كتابه تاريخ أزواد، في حوادث سنة 1915 ما نصه: “ثم صالت قوم أيضا على انگوم، اسم بئر، فتعرضت لهم البرابيش فقتل منهم رجال وقبض واحد منهم اسمه سيديا وهو قائد الجيش من أولاد ديمان، وسجن في تنكبت”.

وهذا يعني بالحرف أن سيديا رحمه جاء أزواد على رأس “غَزِّي” من المجاهدين قصد استهداف الفرنسيين وحلفائهم، وقد صال سيديا ومن معه على بئر انگوم بأزواد فتعرضت لهم البرابيش، فقُتل من الغزو رجال وقبض -كما يقول أبو الحلة الأرواني في تاريخه- على واحد منهم اسمه سيديا، وهو قائد الجيش وهو من أولاد ديمان. ويذكر المخطوط أن سيديا سجن في تِنْبُكْتُ.

وقد كانت هذه العملية في سنة 1915، وفرقة البرابيش التي تعرضت لجيش سيديا يقودها محمود ولد دحمان البربوشي السلمياني، وكانت على رأس قوة مكلفة بالتصدي لغزيان المقاومة، وتسمى المعركة التي أسر فيها سيديا ولد فطرب بمعركة أنگوم، وهي اسم البئر الذي وقعت فيه المعركة.

وفي نفيه بتِنْبُكْتُ أرسل سيديا بن قطرب رسالة عبارة عن طلعة إلى زعيم مشظوف وأميرها الشهير اعلي محمود ولد محمد محمود راجيا منه التدخل لتخليصه من سجنه وغربته، وهي قوله:

هَاذِ “لِبْرَ” فيكْ أمانَه

وارْجَعْ لِي بما أمْكانَ

وُكُولْ إلْ لخْيامْ إنِّ ذانَ

غيرْ امْحقَّقْ عنْ مُلانَ

قدَّرْنَ لَا ما ريتْ آلَ

كَيسْ اعلي محمودْ ألاَّ لَ

  وانّكْ لحَّكْهَ عجْلانَه

منْ شِي فيهْ المقصودْ إعُودْ

فالحبسْ أٌلا عندِي موجودْ

موجودْ وُعنْ لعْمرْ محدودْ

تبلغْ فيهَ فمْ المقصودْ

تتْعَدَّ كاعْ اعلي محمودْ

ولا نعرف هل وصلت هذه الطلعة أم لا إلى الأمير المشظوفي اعلي محمود، ومن المعلوم أن اعلي محمود بن محمد محمود بن أحمد محمود بن المختار بن الامحيميد ظل أميرا لمشظوف من سنة 1327هـ إلى 1362هـ.

والواقع أن سيديا بن أحمدُّ توفي رحمه الله بعد سنة 1915 في تِنْبُكْتُ وقبره هناك.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى