المنتدى الموريتاني لحفظ ذاكرة المقاومة

مشروع حفظ وتخليد ذاكرة المقاومة

تشكل ذاكرة المقاومة جزءا حيويا من الهوية الثقافية لكل شعب، وهي تعني كل ما يتعلق بمقاومة ذلك الشعب للمعتدي الأجنبي الذي يسعى إلى احتلال أرضه واستعباده...

               تفاصيل
أبطال المقاومة

على بن المراكشي حياته وجهاده بقلم : لميكف بنت حمودي ولد أحمد المكي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

على بن المراكشي السباعي

حياته وجهاده

بقلم : لميكف بنت حمودي ولد أحمد المكي 

 

تظل المقاومة الموريتانية بأيامها الغراء وقادتها العظام مصدر فخر واعتزاز لدى كل الموريتانيين. ولا تزال مآثرهم الخالدة وملاحمهم البطولية تتداولها الشفاه وتسطرها الأقلام.

وإني لأرجو من خلال الصفحات التالية ان أساهم في تخليد بطولات هذه المقاومة من خلال الحديث عن واحد من أبرز فرسانها الذين وقفوا في وجه الاحتلال الفرنسي ومشاريعه التوسعية ، ألا وهو البطل المغوار والليث الذي لا يشق له غبار علي بن المراكشي السباعي.

نسبه ونشأته               

هو الرئيس المجاهد عليّ بن المراكشي بن مسكه بن سيدي عبد الله بن الحاج امحمد بن الحاج أحمد بن امحمد بن الحاج بن سيدي أحمد الشهير بأدميس بن عبد الوهاب بن عبد المنعم بن سيدي عمارة بن إبراهيم بن أعْمُر بن الولي الصالح عامر الهامل المكنى بأبي السباع الإدريسي الحسني. وينتسب المجاهد عليّ بن المراكشي إلى فخذ أهل سيدي عبد الله (بطن أهل مسكه) المشهور في قبيلة أولاد أبي السباع . أما والدته فهي اصْديـﮕـه بنت أحمد بن إبراهيم من أولاد تَـﮕـدِّي من قبيلة أولاد دليم الحسانية.

وقد ولد المترجم له سنة 1867 في الجزء الشمالي من البلاد.

نشأ عليّ بن المراكشي في وسط تشرب فيه قيم البطولة والإقدام وعزة النفس بفضل ومآثر أجداده وخوالته الحسانية ، متشبعا بالتعاليم الدينية التي أخذها عن والده ونهلها من محاظر منطقته التي كانت تعج بعدد هائل من جهابذة العلم وسدنة المعرفة، وقد ساهمت هذه التنشئة المزدوجة الفريدة التي تلقاها عليّ بن المراكشي بين قيم الفروسية والتعاليم الدينية  في تكوين شخصيته  كأبرز رجالات منطقته فضلا وفقها، وورعا، وجعلت منه قائدا عسكريا شجاعا، وسياسيا محنكا، ومجاهدا بارزا، واقفا عند حدود الله، ناصرا للمظلوم، قويا على الظالم، متحريا الصدق في كل أقواله وأفعاله، صاحب رأي محنك حصيف، من أهل الكرم والنجدة رحمه الله. كما كان سيدا ورئيسا في قومه أهل سيدي عبد الله.

لقد كان القائد عليّ بن المراكشي يتمتع بعلاقات ممتازة مع الشخصيات البارزة في انشيري واترارزة والساحل، وكانت له علاقات خاصة مع أمير ترازة أحمد سالم ولد أعلي المعروف ببيادة والرئيس العلبي مولاي ولد احمياده.

هذا التموقع الجغرافي لعبت فيه قبيلة أولاد أبي السباع المقيمة في إنشيري دورا كبيرا في استضافة جموع المهاجرين ومساعدتهم وهذا ما جعل الفرنسيين يصفونهم بأنهم أصبحوا يشكلون خطرا على التوغل الفرنسي في المنطقة باستضافتهم لأشخاص مثل الأمير أحمد سالم ولد اعْلِي، الذي نفض يديه من اتفاقيته مع فرنسا بعد أن اتضحت له نواياها الاستعمارية، وكذلك الزعيم الشهير مولاي ولد أحْمَيَّادَه، وقد استضافت قبيلة أولاد أبي السباع الوافدين الجدد في حلتهم بتابْرَنْكُوت بإنْشِيرِي، التي كان المستعمر لا يتجرأ على اقتحامها، وكانت هذه الحلة تضم فصائل أولاد أبي السباع الأربع: أهل سيدي عبد الله، أهل الحاج عبد الله، أولاد عزوز، الدميسات، تتوفر على 75 مدفعا من مدافع الطلق السريع المعروفة محليا بـ “الوروار”، التي حصلوا عليها من سان لوي Saint louis وغيرها بفضل جهود عبد الرحمن ولد اليزيد ومحمد سالم ولد بوعنكه ابني عمي القائد عليّ بن المراكشي.  وكان ضيوف الحلة يستقبلون من قبل زعماء هذه القبيلة أمثال عليّ بن المراكشي والشيخ سيدي امبارك ولد أحمد بابه، والرُّوَيْشِـﮓ ولد الشيخ المختار، ، وكمال ولد ابَّاها، ومحمد الشيخ ولد شاش، وإبراهيم ولد الحاج ولد غَدَّه، وغيرهم من كبراء القبيلة.

السياق السياسي الداخلي والخارجي

كانت موريتانيا تشتمل على عدة إمارات تتمتع إلى حد ما بدرجة كبيرة من التماسك والنفوذ في(ترارزة، ولبراكنة، وأدرار، وتكانت …)، بالإضافة إلى قبائل تمتاز بقوة شكيمتها واستقلاليتها مثل قبيلة المترجم له أولاد بسباع. لم تكن البلاد تتوفر على سلطة مركزية ناظمة، مما أشاع نوعا من الفوضى وحد من قوة ردة الفعل ضد التوسع الفرنسي.

وعلى المستوى الخارجي كانت فرنسا تطمح إلى وضع يدها على البلاد الموريتانية لربط مستعمراتها في الشمال الإفريقي وفي إفريقيا الغربية، وفي هذا المضمار خاض فيدرب الحاكم الفرنسي في السينغال عدة حروب مع إمارة ترارزة ولبراكنة، فبدأ بتقليص نفوذ إمارة ترارزة في الضفة اليسرى لنهر السينغال، وأصدرت فرنسا مرسوما بإنشاء موريتانيا الغربية سنة 27/12/1898، وتقسيم المنطقة مع اسبانيا سنة 27/6/1900 التي عبرت عن أطماعها في بلاد البيظان، فحصلت على تيرس وعلى الشريط الشاطئي البادئ من الرأس الأبيض إلى إقليم اكليميم أو ما يعرف بـ”الصحراء الغربية ووادي الذهب”.

وهكذا انتدبت فرنسا موظفها الكورسيكي كزافييه كابولاني للقيام بهذه المهمة،أي وضع أرض البيظان تحت الاحتلال الفرنسي، وذلك نظرا لتكوينه العلمي ومعرفته الواسعة بمجتمع البيظان، فعبر النهر السينغالي 1902متجها نحو البر الموريتاني،  وشرع في تأسيس حاميات عسكرية في لبراكنة وترارزة (سهوة الماء واخروفه والتاكلالت ).

معارك القائد عليّ ولد المراكشي:

كان القائد عليّ بن المراكشي واعيا بخطورة التغلغل الفرنسي في موريتانيا، وكان يدرك أهمية التصدي للمحتل الفرنسي قبل أن ترسخ أقدامه نهائيا في البلاد، فشرع في تنفيذ  هجمات خاطفة على حامياته الجديدة بمشاركة جماعة من ترارزة من أبرزهم: محمد المبارك ولد البانون، وأحمد سالم ولد الديد، ومختار السالم ولد بركان، بالإضافة إلى جماعة من أهل الساحل.

الهجوم على التاﮔـلالت: (24 ذو الحجة 1321هـ/ 12 مارس 1904م(:
يقول النقيب غاستون دوفور : ” قبيل انبلاج صباح الثاني عشر من مارس [1904م]، تعرض الرقيب فيليب (Philippe) ـ وهو قائد مفرزة من الرماة المحمولة على الجمال من حامية أخروفة ـ لهجوم قرب التاﮔـلالت، نفذته مجموعة من أولاد أبي السباع. فر العدو بعد قتال شديد، حاملا معه كثيرا من الجرحى وتاركا على الميدان قتيلا واحدا. أما خسائرنا فكانت قتيلين وجريحا، ثلاثتهم من الرماة” .

ـ معركة سهوت الماء (28 ذو الحجة 1321هـ/ 16 مارس 1904م):
يقول النقيب غاستون دوفورفي كتابه : العمليات العسكرية في موريتانيا : ” في السادس عشر مارس (1904م)، أنذر النقيب ديهالد (Duhalde)  حاكم سهوت الماء بوقوع هجوم على مخيم من تجكانت على بعد كيلومترين من المركز. أسرع النقيب إلى المخيم ومعه عشرون من الرماة، تاركا رقيبا أوربيا وعشرة رجال لحراسة المركز.. بعد المواجهة  رجعت القوة الصغيرة إلى المركز بعد أن أجبرت على ترك جثتيْ رجلين وسلاحيهما”.

ـ معركة النيملان (1906م): كان للمجاهد علي بن المراكشي دور بارز في معركة النيملان بتـﮕـانت سنة 1906م، فقد كان رحمه الله من أبرز قادة أولاد أبي السباع المشاركين في هذه المعركة إلى جانب قاضي أولاد أبي السباع محمد يحظيه بن عبد الباقي الحسني والفقيه الحبيب بن السمان السباعي رحمهم الله.

لقد قضى علي بن المراكشي عشر سنوات في مقارعة الغازي الفرنسي (1903 -1910) بشكل مباشر ومفتوح، قبل مهادنة المحتل لأسباب داخلية (تفكك صف المقاومة، وتصالح معظم زعمائها البارزين مع إدارة الاحتلال، وحرص المجاهد علي بن المراكشي على سلامة مجموعته القبلية التي باتت مطوقة بالأعداء من كل جانب)، فواصل الجهاد بأسلوبه الخاص وباسم مجموعته الجهادية، وأثناء هذه المواجهة العسكرية الشرسة كشفت قيادته للمعارك عن عبقرية عسكرية فذة، تميزت بالبسالة النادرة وعن دراية مذهلة بالفنون العسكرية، اعترف بها خصومه الفرنسيون، فكانوا يحسبون له ألف حساب، وكان يملك “كاريزما” القائد المطاع المحبوب من كل أفراد جماعته، فقد كان نبيلا كريما ومتواضعا.

توفي الرئيس المجاهد علي بن المراكشي ـ رحمه الله ـ سنة 1913م، ودفن عند موضع (أتويدرمي العَرْيَة) إلى الجنوب من واد الناقة بحوالي 08 كلم.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى