العلامة محمد محمود ولد الكباد ولد الحاج الحاجي ، حياة بين العلم والجهاد بقلم : محمد عبد الرحمن ولد عبد الله

العلامة محمد محمود ولد الكباد ولد الحاج الحاجي ،
حياة بين العلم والجهاد
محمدعبدالرحمن ولد عبد الله
كاتب صحفي ، انواكشوط
medabd388@gmail.com
في زمنٍ كانت فيه المحظرة قلب الحياة، وكان العلم يورث كما تورث المكارم، ولد العلامة المجاهد ، محمد محمود ولد الكباد ول الحاج، الحاجي الملقب بـ«أندحمودي»، في بيئةٍ تشربت القرآن، وحفظت المتون، وصانت تقاليد العلم والنجدة في ولاية لعصابة قرب مقاطعة باركيول.حوالي 1850م
نشأ «أندحمودي» بين أهل العلم،مع أخواله الجكنين فتفتحت عيناه على القرآن، وسمع مبكرا لغة المحاظر، وتشرب قيمها من صبر وتواضع وشجاعةٍ ووفاء. ومن تلك البدايات الهادئة بدأت تتشكل شخصية استثنائية، جمعت بين حفظ العلم وقوة العزيمة، وبين سكينة العالم وحماسة المجاهد؛ وهي الثنائية التي سترافقه في مراحل حياته اللاحقة، وتحول سيرته إلى حكاية تستحق أن تروى.
إن لم نقم لله في وجه العِدا
فالموت أولى من حياة في ردى
قوموا فقد طال السرى والليل
لا يمحى ظلامه إلا بالفدى
لم تكن حياة العلامة المجاهد محمد محمود ولد الحاج صفحة عابرة في سجل العلماء، ولا سيرة عالم انصرف إلى الكتب وأغلق عليه أبواب المحظرة؛ بل كانت حياة رجلٍ امتزج فيها العلم بالموقف، والفقه بالمروءة، والدرس بالفعل، حتى غدت سيرته جزءا من الذاكرة الشعبية التي تحفظها الأجيال كما تحفظ أسماء الفرسان والشعراء.
كان من أولئك الرجال الذين لم يفصلوا بين العلم والحياة، ولا بين المعرفة والمسؤولية. فالعالم عنده ليس من يملأ المجالس بالقول، وإنما من يحمل من العلم ما يجعله قادرا على الوقوف حين يتردد الآخرون، وعلى قول كلمة الحق حين يصبح الصمت أكثر راحة وأقل كلفة.
ومن هنا، لم يكن غريبا أن ترتبط سيرته بحكايات صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في دلالاتها، وأن تختلط في ذاكرة الناس قصص الجهاد والعلم بالشعر والخيول وألحان «أزوان».
● «الطيرش مر»… حكاية جواد دخل التاريخ من باب الغناء
ومن أجمل الطرائف التي بقيت عالقة في الذاكرة الشعبية قصة جواده العربي الأصيل «الطيرش».
كان الجواد ملكا أصيلا اشتراه من صديقه محمد ولد الركاد الكنتي،
( إبان فترة زياراته لتكانت )
ولم يكن جواد” الطيرش” مجرد دابة يركبها صاحبها في أسفاره؛ فقد كان من ذلك الصنف من الخيل الذي يستوقف العين بهيبته، ويترك في النفس أثرا لا يزول بسهولة.
وفي يوم من الأيام، وبينما كان الجواد في نواحي جنوب تكانت، ضل طريقه واختفى عن الأنظار.
كانت الصحراء يومها واسعة، والمسالك متشابهة، والبحث عن جواد تائه أشبه بالبحث عن أثر في الرمل. خرج العمال في طلبه، يفتشون عنه بين الفجاج والشعاب، وكلما امتد البحث ازدادت مشقة الطريق، حتى عثروا عليه أخيرا.
عاد الرجال بالجواد، وقد سبقهم الفرح إلى القوم قبل أن يصلوا.
وفي طريق العودة، لم يجدوا أبلغ من الغناء للتعبير عن فرحتهم، فراحوا يرددون بعفوية:
«ألا بعدن الطيرش مر… ألا بعدن الطيرش مر»
كانت عبارة بسيطة، خرجت من لحظة فرح صادقة، لكنها لم تكن تعرف يومها أنها ستغادر حدود تلك اللحظة لتعيش عشرات السنين في ذاكرة الفن الحساني.
وكان الفنان الكبير سيدي ولد دندني حاضرا، فالتقط العبارة كما يلتقط الموسيقي لحنا ولد للتو، وعزفها في الحال.
وهكذا، وفي لحظة عفوية لا تخطيط فيها ولا تكلف، ولد لحن أصبح لاحقا من أشهر أشوار «اللين – الجانبة البيظة» في تراث «أزوان».
لقد تحولت جملة العمال البسيطة إلى لحن، وتحول اللحن إلى ذاكرة، وتحولت الذاكرة إلى جزء من التراث الموسيقي الحساني؛ وتناقلته الأصوات جيلا بعد جيل، وتغنى به فنانون وفنانات، ولا سيما من أسرة أهل أب، حتى أصبح «الطيرش» أكثر من اسم جواد.
صار اسما يعيش في الموسيقى.
وهنا تكمن روعة التراث الشعبي: فقد تبدأ الحكاية من حادثة عابرة في صحراء بعيدة، ثم لا تلبث أن تتحول إلى أغنية، ثم إلى لحن، ثم إلى قطعة من الذاكرة الجماعية التي لا يعرف الناس أحيانا كيف ولدت، لكنهم يعرفون أنها كانت دائما هناك.
● جواد ألهم الشعراء والفرسان
ولم يتوقف حضور «الطيرش» عند الموسيقى.
فقد ألهم الجواد شعراء ورجالا من أهل الفروسية، حتى إن الأمير عبد الرحمن ولد سويد أحمد «الدان» سمى بندقيته الخاصة «الطيرش»، وفاء للجواد وإعجابا بما كان يمثله من قوة وأصالة، ودون فيه كافا طريفا بقي شاهدا آخر على المكانة التي احتلها الاسم في المخيال الشعبي.
وهكذا، انتقل «الطيرش» من حيز الفروسية إلى فضاء الشعر، ومن الشعر إلى «أزوان»، ومن «أزوان» إلى الذاكرة.
وكأن الجواد الذي ضل طريقه في جنوب تكانت كان في الحقيقة يبحث عن طريق آخر، أطول عمرا وأبعد أثرا؛ طريقٍ لا ينتهي عند عودته إلى صاحبه، وإنما يمتد إلى ذاكرة وطن بأكمله.
● العالم الذي لم يحبس العلم بين جدران المحظرة
لكن «الطيرش» ليس سوى تفصيل صغير في سيرة رجل كانت حياته أوسع من حكاية جواد، وأعمق من لحن.
لقد خلف العلامة المجاهد محمد محمود ولد الحاج إرثا علميا وأدبيا وجهاديا لا يختزل في حادثة أو رواية.
خلف محظرة ذات منهج صارم، لم تكن مجرد مكان لتلقين المتون، وإنما مدرسة لصناعة الرجال والعقول.
وخلف جيلا من العلماء والفقهاء الذين حملوا عنه العلم، وواصلوا مسيرة المعرفة في مجتمع كان يرى في المحظرة قلبه النابض، وفي العالم مرجعيته الأخلاقية والعلمية.
وخلف كذلك ذاكرة جهادية تذكر بأن العلم، في التجربة الشنقيطية، لم يكن منفصلا عن الموقف، وأن العالم لم يكن بالضرورة رجلا يعتزل صخب الحياة خلف أسوار محظرته.
كان العلم مسؤولية.
وكانت المعرفة موقفا.
وكانت الكلمة أحيانا أثقل من السلاح.
ومن هنا تبدو الأبيات التي ارتبطت بروح تلك المرحلة أكثر من مجرد شعر:
إن لم نقم لله في وجه العِدا
فالموت أولى من حياة في ردى
إنها فلسفة حياة كاملة؛ حياة لا ترى في العلم زينة للمجالس فحسب ، وإنما أمانة تستدعي صاحبها إلى القيام حين يحين وقت القيام.
● من المحظرة إلى الذاكرة
وما يجعل سيرة محمد محمود ولد الحاج جديرة بالتأمل أن أثره لم يبق محصورا في الكتب أو في أسماء تلامذته.
لقد تسرب إلى الذاكرة الشعبية من أبواب كثيرة: من المحظرة، ومن الشعر، ومن الحكايات، ومن الفروسية، ومن «أزوان»، وحتى من تفاصيل الحياة اليومية التي قد تبدو صغيرة أمام سيرة رجل عالم ومجاهد، لكنها تصبح مع مرور الزمن جزءا من صورته في وجدان الناس.
فقد تحفظ الأجيال اسم العالم من كتاب، وتحفظه من تلميذ، وتحفظه من قصيدة، وقد تحفظه أحيانا من حكاية جواد ضل طريقه ذات يوم، فعاد أصحابه يغنون فرحا:
«الا بعدن الطيرش مر…»
وهنا تكمن عبقرية الذاكرة الشعبية؛ فهي لا تحفظ الرجال في صورة واحدة، وإنما تجمع حولهم العلم والشعر والبطولة والطرفة والإنسان.
رحم الله العلامة المجاهد محمد محمود ولد الحاج؛ الرجل الذي ترك وراءه علما نافعا وعملا خالدا وذاكرة علمية وادبية وفنية تستبقي المواقف، شعرا يواصل الكلام، وحكاياتٍ لا تزال قادرة على أن تمنح الماضي حياة جديدة.
لقد كان من جيل يؤمن بأن الجهاد علم قبل أن يكون سلاحا، وأن العالم الحقيقي لا يعيش خارج قضايا الناس، وأن الكلمة إذا صدقت قد تصبح موقفا، والموقف إذا خلص قد يتحول إلى تاريخ.
أما «الطيرش»… فقد بقي شاهدا طريفا على أن التاريخ لا يكتب دائما بالمعارك والوقائع الكبرى؛ أحيانا يكفي جواد أصيل، ورجال فرحون، وفنان يلتقط لحظة عابرة، حتى تولد من الصحراء أغنية تعيش أطول من أصحابها.
● أديب وشاعر… يكتب بروح المجاهد
لم يكن العلم والجهاد وحدهما ما ميز شخصية العلامة «أندحمودي»، بل كان أيضا شاعرا وأديبا، يحمل القلم بالروح نفسها التي حمل بها همّ المقاومة.
كتب في المديح النبوي، والحكمة والزهد والرثاء، والدعوة إلى الجهاد ومقاومة المستعمر، فجاء شعره امتدادا طبيعيًا لمشروعه العلمي والرسالي؛ لا يفصل بين الكلمة والموقف، ولا بين المعرفة والمسؤولية.
كان يرى في الشعر وسيلة لإيقاظ الهمم، وحفظ الذاكرة، وتثبيت المعاني التي حاول الاستعمار أن يقتلعها من وجدان المجتمع. ولذلك لم يكن أدبه ترفا لغويا، وإنما كان جزءا من معركته الكبرى:
معركة الإنسان على دينه ولغته وكرامته وأرضه.
ومن هنا تبدو شخصية «أندحمودي» مختلفة عن الصورة النمطية للعالم المنعزل في محظرته؛ فقد كان عالما يدرس، ومربيا يؤثر في الأجيال، وأديبا يوثق بالقصيدة، ورجل موقف يرى أن العلم إذا لم يتحول إلى مسؤولية تجاه الناس ظل معرفة ناقصة.
● بين المحظرة والمقاومة… سيرة رجل لم يعرف الحياد
تكشف سيرته، كما تروى في الذاكرة المحلية، عن نموذج من العلماء الذين لم يروا تعارضا بين حمل الكتاب وحمل هم الوطن والأمة.
فالمحظرة بالنسبة إليه لم تكن جدرانا معزولة عن المجتمع، وإنما كانت مؤسسة للتكوين وبناء الوعي. والمقاومة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت أيضا معركة على الهوية والدين واللغة والقرار الوطني.
ولهذا ارتبط اسمه، في الروايات المتداولة عنه، بشبكة من العلماء والوجهاء والمقاومين الذين كانوا يتحركون بين مناطق البلاد، ينقلون الأخبار، ويوفرون السلاح و الإسناد ، ويحافظون على صلة المجاهدين بالمجتمع.
وقد امتدت هذه الحياة المتنقلة سنوات طويلة، بين أدرار وتيرس وتكانت ولعصابة وغيرها من المناطق، في زمن لم تكن فيه المسافات تقطع بسهولة، ولا كانت أخبار المقاومة تصل إلا عبر الرجال الذين يغامرون بأنفسهم في الصحراء.
● «لركاب»… حين اجتمع العلم والسلاح
وتزداد أهمية هذه السيرة حين توضع في سياق مؤتمر «لركاب» سنة 1906، الذي دعا له الشيخ المجاهد الشيخ ماء العينين وارتبط بمشروعه لمقاومة الاستعمار ، لتنسيق جهود القبائل والعلماء والمقاومين في مواجهة التوسع الاستعماري الفرنسي.
وكان حضور أهل العلم إلى جانب أهل السلاح يحمل دلالة عميقة: فقد كان المجتمع يرى أن الدفاع عن البلاد لا يقوم على القوة وحدها، كما لا يقوم على الوعظ وحده، وإنما يحتاج إلى وعيٍ ديني، وتنظيم اجتماعي، وموقف سياسي، وقدرة على المقاومة.
وفي هذا السياق تروى مشاركة وفد قبيلته أهل سيدي محمود في المؤتمر، حاملين معهم البنادق والكتب؛ في صورة لافتة تختصر تلك المرحلة التي كان فيها العلم والسلاح وجهين لموقف واحد.
وتنسب إلى محمد محمود ولد الحاج مشاركة في جهود التنسيق بين عدد من القبائل، ضمن شبكة ضمت ممثلين عن قبائل ومجموعات كبرى، وهو ما يعكس ــ إذا صحت الروايات المتداولة ــ حجم الدور الذي كان يمكن أن يضطلع به العالم في تنظيم المجتمع وتوجيهه في تلك المرحلة المضطربة.
● ثلاثين عاما في الطريق
لم تكن المقاومة بالنسبة إلى «أندحمودي» موقفا عابرا، بل تحولت إلى حياة كاملة.
سنوات طويلة من الترحال بين المناطق، ومجالس العلماء، وبيوت القبائل، ومواضع تجمع المقاومين؛ يحمل رسالة المحظرة، ويتابع شؤون الناس، ويؤدي ما يرى أنه واجبه من تنسيق وإسناد ودعم في زمن كان فيه مجرد التواصل بين رجال المقاومة يمكن أن يكون مخاطرة حقيقية.
وهكذا تحولت الصحراء نفسها إلى فضاء لرسالته؛ فكل طريق كان احتمالا للخطر، وكل مجلس فرصة للتأثير، وكل لقاء حلقة في سلسلة طويلة من العمل الذي لم يكن يبحث عن شهرة أو منصب.
● رحل الرجل… وبقيت السيرة
توفي العلامة محمد محمود ولد الحاج «أندحمودي» في تكانت، نحو سنة 1925م، حيث عاش قراية 75 سنة بعد حياة امتدت بين العلم والتعليم والجهاد والأدب. لكنها لم تعريف الإستقرار.
لكن قيمة الرجل لا تقاس فقط بتاريخ الميلاد والوفاة، ولا بعدد المحاظر التي أسسها، أو المسافات التي قطعها، وإنما بما تركه في ذاكرة الناس من صورة للعالم الذي لم يحصر رسالته في الدرس، ولا جعل الأدب منفصلا عن الواقع، ولا رأى الدين بعيدا عن قضايا المجتمع.
لقد كان، في صورته التي تحفظها الرواية المحلية، واحدا من أولئك الرجال الذين عاشوا زمنا كانت فيه الكلمة مسؤولية، والعلم أمانة، والموقف ثمنه غال.
وربما لهذا تستحق سيرته أن تخرج من دائرة الحكاية الشفهية إلى بحث تاريخي موثق، يجمع الوثائق الفرنسية، والمخطوطات المحظرية، والروايات المحلية، وشهادات أحفاده وتلامذته، حتى يمكن الفصل بين ما ثبت بالوثيقة وما حفظته الذاكرة الشعبية.
فالتاريخ لا يكرم رجاله بمجرد ترديد أسمائهم، وإنما بإنقاذ سيرهم من النسيان، وتمحيص الروايات عنهم، وإعادة وضعهم في سياقهم الحقيقي.
وإذا كان «أندحمودي» قد جمع في حياته بين القلم والسيف، فإن واجب الأجيال اللاحقة أن تحمل عنه شيئا ثالثا:
القلم الذي يوثق، لا القلم الذي يكتفي بالرواية.