المنتدى الموريتاني لحفظ ذاكرة المقاومة

مشروع حفظ وتخليد ذاكرة المقاومة

تشكل ذاكرة المقاومة جزءا حيويا من الهوية الثقافية لكل شعب، وهي تعني كل ما يتعلق بمقاومة ذلك الشعب للمعتدي الأجنبي الذي يسعى إلى احتلال أرضه واستعباده...

               تفاصيل
الأخبار

المقاومة الموريتانية ضد الاستعمار الأجنبي القصة الكاملة بقلم : سعدبوه ولد محمد المصطفى رئيس المنتدى الموريتاني لحفظ ذاكرة المقاومة


 

المقاومة الموريتانية ضد الاستعمار الأجنبي

القصة الكاملة

بقلم : سعدبوه ولد محمد المصطفى

رئيس المنتدى الموريتاني لحفظ ذاكرة المقاومة


 

تقديم:

لم يتم احتلال موريتانيا دفعة واحدة بل بالتدريج وحسب أولويات وحسابات المحتل الأجنبي، فقد تم احتلال كيهيدي وسيلبابي سنة 1890، أما الحوضين فقد خضعا للسيطرة الاستعمارية الفرنسية سنة 1899، ويعود احتلال باقي التراب الوطني إلى رجلين هما: كزافيي كبولاني والعقيد غورو وذلك ابتداء من سنة 1903 وحتى 1910، فالأول قام ببسط النفوذ الاستعماري الفرنسي على الترارزة والبراكنة والعصابة وتكانت، والثاني قام باحتلال إينشيري وآدرار وتيرس الزمور وداخلة نواذيبو..

ولم يتأخر رد فعل المقاومة الموريتانية، فقد واجه أبناء هذه البلاد من أمراء وقادة قبائل وعلماء وأفراد من مختلف الفئات هذا الوافد الجديد يحملون أسلحة تقليدية هي مدافع “الكشام” التي أبدع الصانع التقليدي في صناعتها بالإضافة إلى الأسلحة اليدوية الأخرى كالسيف والخنجر وغيره.. وتسجل لنا حوليات المقاومة معارك فاصلة انتصر فيها أبطال المقاومة، فشجاعتهم كان تعوض رداءة السلاح. إذ كانوا يحاربون بروح فدائية استشهادية مقدمين للأجيال الحالية دروسا في التضحية والدفاع عن الوطن..

كما ساهمت قرائح الشعراء في بروز مقاومة ثقافية تثير همم المقاومين وتبعث فيهم الحماس للتصدي للعدو ومحاربته..

ولكن لنبدأ القصة من البداية..

تعود بداية الاحتكاك الأوربي مع سكان بلاد شنقيط إلى عام 1445 عندما حطت بعض سفن القراصنة البرتغاليين بحوض آركين ونزل بعضهم إلى اليابسة وقاموا باختطاف من صادفوه من السكان المحليين ويعودون بهم أسرى إلى البرتغال، وأمام هذه الاعتداءات قام السكان بمقاومتهم وصدهم بكل ما أوتوا من الوسائل.. وبعد عقود من التواجد البرتغالي على شواطئنا قاموا بإنشاء ميناء “آركين” سنة 1494، وأيضا أسسوا مركزا تجاريا بالقرب من وادان.. ثم جاءت السفن الإسبانية لترسو على شواطئنا الأطلسية وأخذوا بدورهم يمارسون عمليات الاختطاف للسكان المحليين.. ثم تلاهم الهولنديون من 1634 وحتى 1678 الذين باشروا عملية التبادل التجاري مع السكان من خلال ميناء بورتانديك، بعد ذلك جاء دور الإنكليز وذلك ابتداء من 1721 الذين وقعوا اتفاقيات التبادل التجاري القائم على مادة الصمغ العربي مع أمراء الترارزة.. وبعد احتلال الفرنسيين لقرية أندر في السينغال 1836، بدأت مرحلة جديدة من تاريخ العلاقات الفرنسية مع بلاد الضفة اليمنى لنهر السينغال أو ما عرف لاحقا بموريتانيا..

وقد برزت الأطماع الاستعمارية الفرنسية في إمارة الترارزة من خلال رجلين فرنسيين الأول هو فيدرب والثاني هو اكزافيى كبولاني.

ففي 1854 شن حاكم السينغال لوي فيديرب حربا ضد الأمير محمد الحبيب ولد أعمر ولد المختار لفك الارتباط النهائي لإمارة الترارزة مع سلطنة الوالو في أندر ولم تتوقف تلك الحرب إلا بتوقيع اتفاق سلام سنة 1858.. وقد حظي الأمير محمد لحبيب في صراعه مع فيدرب بدعم واسع من شيوخ القبائل والعلماء، وكان على رأس كل ذلك الشيخ سيديا الكبير الذي دعا أمراء البلاد إلى مؤتمر “تندوجة” سنة 1856 لدراسة سبل مواجهة الاعتداءات الفرنسية على إمارتي الترارزة والبراكنة، وفي سنة 1956 وقعت معركة “الركبة” في البراكنة والتي كان فيها فيدرب طرفا داعما لأحد أطرافها في صراعه مع الطرف الآخر المدعوم من الأمير محمد الحبيب والشيخ سيديا الكبير، وهما المعارضين لأي نفوذ فرنسي في إمارتي الترارزة والبراكنة.

ومع أن السياسة الفرنسية الاستعمارية لم تكشف عن أطماع في احتلال أراضي ما وراء الضفة اليمنى لإمارة الترارزة أو البراكنة بل اكتفت بتحديد مناطق نفوذها في الضفة اليسرى لنهر السنغال وإظهار سيطرتها على الممالك الزنجية هناك، وبإستثناء هذا قام الفرنسيون سنة 1890 باحتلال كيهيدي وسيلبابي وذلك لحاجة الفرنسيين في تأمين ضفتي نهر السينغال ضمانا لوصول الامدادات إلى مستعمرة السودان الفرنسي (مالي حاليا) وقد واجها مقاومة شديدة من قبل أمير إمارة أهل اعل ولد عبد الله سيد أحمد ولد هيبة والبطل المامي عبدول بوكار كان الذي استشهد سنة 1891..

و لم تغب عن الحاكم فيدرب أهمية اكتشاف ما كان يعرف آنذاك بأرض ما وراء الضفة اليمنى لنهر السينغال من الترارزة جنوبا إلى الساقية الحمراء شمالا مرورا بإنشيري وآدرار وأيضا البراكنة وتكانت وما تحتويه من ثروات اقتصادية هامة، ولهذا أرسل “فينساه” سنة 1861 و”ماج”لاكتشاف عمق هذه الأراضي الصحراوية ومعرفة سكانها وعاداتهم ونمط الحكم السياسي الذي يسوسهم.. إلا أن الحكام الذين تبعوه ابتداء من سنة 1865 وجهوا اهتمامهم إلى البلدان الواقعة في أعالي السنغال ووسط النيجر واكتفوا بالحرص على أن لا تتم عرقلة التبادلات التجارية بين ضفتي النهر..

الواقع أن الفرنسيين سيقومون بوضع حد نهائي لهذا التوازن في القوة بين ضفتي نهر السينغال عند مطلع القرن العشرين من خلال ظاهرة التوسع الاستعماري التي أقترنت بما عرف في التاريخ الحديث بالتوسع الامبريالي الأوربي في افريقيا وآسيا..

يعرف المؤرخ عبد الله أفال ” الاستعمار” بأنه أحد الاتجاهات التاريخية الكبرى للقرنين التاسع عشر والعشرين، وبالرغم من أنها ظاهرة قديمة جدا إلا أنها لم تكن أبدا بهذا الشمول والسيطرة إلا خلال هذه الفترة، فأوروبا التي استفادت من الاكتشافات التقنية والتطور الثقافي والعلمي للشعوب الأخرى قامت بأول توسع خارج حدودها من خلال اكتشاف بلدان لم تكن معروفة مثل آمريكا وبلاد المحيطين: الهادي والهندي. وقد مكنها هذا الغزو من تراكم ثروات اقتصادية كبيرة ساعدتها على الانتقال من الاقتصاد الإقطاعي إلى الاقتصاد الرأسمالي الصناعي، ومن سخرية القدر أن هذا التصنيع سيقلب المعادلة، فأوروبا التي لم تعد بحاجة إلى رأسمال البلدان الأخرى ستلبي من خلال تصدير منتجاتها حاجات هذه البلدان وستكون هذه البلدان الجديدة هي المحطة النهائية لهذه المنتجات الصناعية التي تنتج حسب نظام التسلسل ولم يكونوا يدرون سابقا أين سيوجهونها وسيتكيف العالم تدريجيا مع هذه الماكينة الاقتصادية الأوروبية الجديدة التي لا يمكن التحكم فيها.

وهكذا تحولت هذه الشعوب إلى مصدر للحصول على المواد الأولية ثم تصدير هذه المنتجات الصناعية إلى أسواقها وأصبحت الدول الأوروبية تسعى للسيطرة على مناطق خارج حدودها لضمان نفوذها الاقتصادي والسياسي وبهذا خرجت الامبريالية الأوروبية من رحم الاستعمار.

وبالنسبة للقارة الأفريقية، فقد شهد منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين عملية استعمار واسعة لها من طرف القوى الأوروبية الاستعمارية التي هي: انكلترا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا..

وبطبيعة الحال فقد جاءت المقاومة بشقيها المسلح والثقافي كردة فعل سريعة لمحاولة استعمار هذه البلدان، وبالنسبة لموريتانيا فقد انخرط فيها طيف واسع من الشعب كالأمراء والعلماء وقادة القبائل والأفراد العاديون واندفعوا يحملون أسلحتهم التقليدية (الكشام) يوجهونها إلى نحور قوات الاحتلال.

ويعود احتلال بلادنا إلى رجلين فرنسيين هما : كزافيي كبولاني و العقيد غورو ، ويكشف لنا المسار الذي انتهجاه في احكام قبضة الاحتلال على هذه البلاد المستوى القوي من المقاومة التي ووجها بها من طرف المقاومين الأبطال وذلك بالرغم من عدم التوازن في القوة بين الطرفين، وتظهر تفاصيل حوليات معارك المقاومة الموريتانية الانتصارات الساحقة للمقاومة على جيش الاحتلال وهو ما يعترف به قادة الاحتلال في تقاريرهم ومؤلفاتهم ومذكراتهم.. فماهو مشروع كبولاني لاحتلال موريتانيا؟

ولد يوم 02 فبراير1866 في كورسيكا وتوفي مقتولا في سن الأربعين في تجكجة ليلة 12 مايو 1905 وذلك في مواجهة مع كتيبة للمقاومة الموريتانية الباسلة، كان والده دومينيك من مستوطني سيدي مروان قرب القسنطينة في الجزائر، وقد أمضى كبولاني مراهقته في الجزائر ودرس في المدرسة العليا في القسنطينة.

تولى كبولاني وظائف بسيطة في الإدارة المحلية في بداية مشواره في العمل وذلك قبل أن يعين كاتبا عاما للجماعة المحلية في “واد الشلف” وخلال عمله هذا تعلم العربية وأهتم بدراسة مكانة الطرق الصوفية عند المسلمين.

وفي سنة 1893 نشر دراسة حول “الزاوية العمارية” لمؤسسها الشيخ سيدي عمار بن سنا في الجزائر في القرن التاسع عشر.

وهنا وجد الطريق الذي سيدخل به إلى عالم السياسة الاستعمارية الفرنسية فيما بعد، وهو دور التيارات الصوفية وتوظيف الإسلام عموما في المساعدة في ضم سكان المغرب وجنوب الصحراء إلى الاحتلال الفرنسي.

وفي سنة 1896 تم تعيينه في مصلحة الشؤون المدنية والعسكرية في الجزائر، وأصبح مساعدا “لأوكتاف ديبون” الذي اشترك معه في إعداد دراسة حول الزوايا الصوفية وقد نشر سنة 1898.

وفي نوفمبر 1898 تم تكليف اكزافيى كبولاني من طرف الجنرال “ترانتيان” حاكم السودان الفرنسي بمهمة دراسة وجمع المعلومات عن القبائل في السودان وجنوب الساحل وذلك بهدف إخضاعهم، ويتعلق الأمر بسكان الحوضين وتومبكتو وأزواد.

وتقول الباحثة “جنفييف ديزيري فيلمن”: انطلقت بعثة كبولاني من سانت لويس ووصلت إلى قبائل الحوض، وقد أعجب شيوخها بشخصية كبولاني، وفي أزواد وقع له الشيء نفسه، إذ دفعتهم معرفته باللغة العربية والدين الإسلامي وما يتمتع به من شخصية قيادية إلى إعلان الخضوع للعقيد (فيمار). وعلى إثر هذه الجولة وضع كبولاني أسس سياسة استعمارية في بلاد الضفة اليمنى للنهر. وقد أثار في تقريره تحت عنوان: “تقرير شامل حول مهمتي في السودان الفرنسي” فكرة وضع خطة لتنظيم سكان ما يسمى “موريتانيا الغربية” ( ).

وقد لقي اقتراح كبولاني على الفور موافقة وزير المستعمرات (أيجين أيتين) الذي اتخذ قرارا في 27 دجمبر 1899 بإنشاء مستعمرة موريتانيا الغربية التي تضم الأراضي ما بين نهر السينغال والمغرب وتعيين كبولاني مقيما في سينلوي..

ومع ذلك لقي القرار معارضة من الحاكم الفرنسي لإفريقيا الغربية (شوديي)، تقول (ديزيري فيلمن) “يرى الحاكم الفرنسي (شوديي) أن علاقاتنا مع هؤلاء السكان كانت دائما سلمية وتغيير هذه السياسة لن تكون نتائجها مضمونة”( ).

ووجد كبولاني معارضة لمشروعه الاستعماري ليس فقط من حاكم مستعمرة إفريقيا الفرنسية ولكن من وزير الخارجية “دكلاسي” الذي طالب بتوقيف المشروع مؤقتا على الأقل، ولم تكن معارضة اللوبي التجاري الاستعماري في سينلويس وكذلك وزير الخارجية صادرة من منطلق إنساني بل كانت قائمة على أسس منفعية مصلحية، فبقاء الأمور على ما هي عليه أفضل من الدخول في مغامرة غير محسوبة العواقب..

ولكن طموح كبولاني وعناده دفعاه إلى مواصلة مشروعه في إقامة مستعمرة فرنسية في موريتانيا وعلى هذا الأساس سيطرق أبواب صناع القرار في باريس وعلى رأسهم رئيس المجلس فالديك روسو Waldeck Rousseauالذي استقبله في مكتبه ثم لاحقا في جلسة غداء واستمات في عرض “قضيته” حول احتلال موريتانيا ، وعلى اثر هذا اللقاء أعلن رئيس المجلس يوم 6 يونيو 1901 عن إنشاء “لجنة وزارية مكلفة بتشخيص وضعية الجزائر وافريقيا الغربية مقارنة ببعضها البعض وبالدول المجاورة” ، وفي الأثناء قام بتعيين كبولاني أمينا عاما للمستعمرات درجة ثانية مكلفا بتنظيم مصلحة لشؤون المسلمين والصحراويين في رئاسة المجلس وبموجب هذا القرار لم يعد في نظام عمال الجماعات المختلطة حيث كان يعمل خلال إقامته في الجزائر، وفي باريس أعلن كبولاني عن إنشاء اللجنة الفرنسية الإسلامية وتضم العديد من الشخصيات السياسية في باريس ، وأيضا انشاء المجلة الفرنسية الإسلامية الصحراوية.

يقول المؤرخ عبد الله افال: “حصل أيضا تطور هام على المستوى الدبلوماسي وهو ما تجسد في الاتفاق بين فرنسا وإسبانيا يوم 27/05/1900 على ترسيم الحدود بين موريتانيا والصحراء الغربية.

ومع ذلك مازال موقف الحاكم (شوديي) ممتنعا من أي تدخل مباشر، ففي رسالة بتاريخ 29/09/1900 يتحدث عن الاحتجاجات التي تسمع من غرفة التجارة ومن المجلس العام والهيئة الناخبة في سينلوي ضد تغيير الأساليب التي تحكم العلاقات الفرنسية مع سكان الصفة اليمنى للنهر.

ويعود إصرار هذا اللوبي التجاري القوي إلى ما يجنونه من أرباح طائلة من وراء التعامل مع السكان في الضفة اليمنى من النهر ويتمثل ذلك في العناصر التالية :

– التبادل التجاري الواسع مع التجار والقائم على البيوع بالآجال المضمون من الأمراء

– تهريب السلاح والذخائر

بعد تنحي رئيس المجلس Waldeck Rousseau عن السلطة جاء بعده Emile Combes وقد سمح لكبولاني باستلام مهامه في سينلوي كمسؤول عن شؤون المسلمين تحت سلطة الحاكم العام لافريقيا الغربية الفرنسية Balleyوكان يتبنى موقف اللوبي التجاري في سينلوي الرافض لخطط كبولاني في تغيير الأمر الواقع بين ضفتي النهر، ولكن لحسن حظ كبولاني فسرعان ما أقيل Balley وعين مكانه Ernest Roume وهو صديق مقرب من رئيسي المجلس السابق والحالي.

ونشير إلى أن الجنرال “روم” حاكم إفريقيا الغربية، قد أرسل في شهر مارس 1902 كتيبة عسكرية أطلق عليها كتيبة مراقبة الترارزة تحت قيادة الرائد “دلابلان Delaplane” واستقرت في سهوت الماء “الركيز حاليا” والهدف من هذه الكتيبة ليس احتلال الترارزة ولكن منح الدعم الفرنسي للأمير أحمد سالم ولد اعل ضد منافسه في الإمارة سيدي ولد محمد فال ولد سيدي، ومن المعروف، كما يقول المؤرخ عبد الله افال، أن حكام سينلويس دأبوا على التدخل في شؤون إمارة الترارزة الداخلية.

وعند وصول كبولاني إلى سينلويس كلفه الحاكم “روم” يوم 10 ديسمبر 1902، وذلك بموجب مقرر صادر عنه، بمهمة احتلال الترارزة، وبعد ذلك بخمسة أيام اجتمع في “دكانة” بالأمير أحمد سالم ولد اعل ليملي عليه شروط الوصاية الفرنسية على إمارته وهي:

– أولا: إلغاء الرسوم العرفية التي تمنحها فرنسا لأمراء الضفة اليمنى للنهر..

– ثانيا: فرض ضريبة تدفع للخزينة الاستعمارية يسميها كبولاني الزكاة

– ثالثا: يتولى كبولاني تعيين القضاة في الترارزة..

بعد جولات من المفاوضات بين الأمير أحمد سالم ولد إعلي وبين كبولاني تنازل الأول عن بعض سلطاته للحكومة العامة في سينلويس، ولم يكتف كبولاني بهذا بل قام بالتفاوض مع الأمير سيدي ولد محمد فال ولد سيدي وحصل منه في فبراير 1903 على تعهد بوضع الحماية الفرنسية على الترارزة.. ومع ذلك سيتنصل الأميران لاحقا من هذه التعهدات وسيلتحقان بجبهة المقاومة..

ويقول عبد الله أفال بأن هذه هي المرة الثانية التي يقوم فيها كبولاني بتنفيذ سياسة التوسع الفرنسي بواسطة “التوغل السلمي” المزعوم وذلك بعد جولته في الحوض 1898( )، كما أنها البداية العملية لما عرف لاحقا بمشروع كبولاني لاحتلال موريتانيا.

وتبعا لهذه التطورات الإيجابية لصالح سياسة الاحتلال في الترارزة أصدر الحاكم “روم” يوم 13 مايو 1903 قرارا بوضع الترارزة تحت الإدارة المباشرة للاحتلال الفرنسي.

وبعد إنشاء مركز سهوت الماء، قرر كبولاني إنشاء مركز ثان هو مركز أخروفة وذلك لربط الاتصال مع ميناء”بور تانديك” واعتماد طريق للتموين من سينلوي عبر المحيط الأطلسي بالإضافة للطريق البري.. وفي هذه الأثناء تلقى كبولاني عرضا من أمير البراكنة أحمدو ولد سيد إعل لوضع الإمارة تحت الحماية الفرنسية ولكنه سرعان ما سيتنصل من ذلك..

وفي 8 فبراير 1903 حدد كبولاني موضع إنشاء مركز نواكشوط ، وهو كثيب مرتفع على بعد 6 كلم من المحيط الأطلسي ، وفي 21 مارس 1903 عاد كبولاني إلى سينلويس بعد قضاء 3 أشهر في الضفة اليمنى من النهر .. وعند وصوله التقى بالحاكم روم الذي قدم له تقريرا عن مستوى التقدم الذي وصل إليه احتلال الترارزة ، وعلى اثر هذا اللقاء كتب الحاكم تقريرا متحمسا لوزير المستعمرات يتضمن مخطط كبولاني القائم على الأفكار التالية:

– توطيد السلم حول ضفتي نهر السينغال

– احتلال تكانت وآدرار

– ربط الصلة مع المغرب

وفي رده هنأ وزير المستعمرات كبولاني على نجاح مشروعه حتى الآن ، ولكنه عارض أي عمل للتوجه إلى آدرار فذلك بالنسبة له سابق لأوانه ، ودعاه إلى مواصلة توغله السلمي “المزعوم” نحو الشرق في البراكنة وفي اتجاه إمارة إدوعيش القوية التي تحتل بوابات الولوج إلى موريتانيا بعد ذلك يمكن التفكير في آدرار ولكن دون التخلي عن سياسة الغزو السلمي( )

وفي مايو 1903 تم تعيين كبولاني مندوبا لدى الحكومة العامة مكلفا بالترارزة يعين القضاة وينشئ الوعاء الضريبي الذي يطلق عليه الزكاة.

وفي أثناء وضعه لخطة احتلال البراكنة وتكانت، كانت الترارزة تشهد حراكا مناوئا لكبولاني، فالأميرأحمد سالم ولد إعلي تراجع عن قراره التخلي عن الضرائب العرفية ، أما الأمير سيد ولد محمد فال فيرى أن كبولاني تلكأ في تنفيذ طلباته له وهي تنصيبه أميرا على الترارزة.. وقد حاول الأميران العمل معا لمواجهة مشروع كبلاني، كما عملا على التنسيق مع أمير البراكنة والأمير بكار الذي يرفض رفضا قاطعا إقامة خط من المراكز العسكرية على طول الضفة اليمنى لنهر السينغال.. وقد انحاز إلى هذه المواقف اللوبي التجاري في سينلوي وتجسيدا لهذا التوجه هاجم الأمير أحمد سالم ولد إعلي مركز أخروفة وغادر إلى إينشيري وآدرار للإلتحاق بالمقاومة، وهو ما سيقوم به لاحقا الأمير سيد ولد محمد فال ولد سيدي..

ولم يقتصر رفض الاحتلال في الترارزة عليهما فقط، بل برزت مقاومة شعبية قادها الشهيد المختار أم ولد الحيدب ، فقد أغار رفقة عدد من المجاهدين يوم 16 يونيو 1903على مركز سهوت الماء واشتبكوا مع قرابة 20 من جيش الاحتلال بقيادة الملازم Aubert ، واعترف الاحتلال بقتل أحد رتبائه وهو المارشال دي لوجي شارترون ، أما المقاومة فقد استشهد منها ثلاثة أفراد.

يقول النقيب فرير جان : “كانت هذه أول معركة لنا معهم”

كما شن تحالف من المقاومة – الرحاحلة وأولاد بسبع – بقيادة علي ولد المراكشي هجوما على مراكز سهوت الماء والتاكلالت وخروفة، يقول الرائد جيليي :” وفي 21 نوفمبر 1903، غادر كبولاني رفقة الحاكم العام لافريقيا الغربية إلى “بوكي” حيث كان في انتظارهما جمع من الأعيان والشيوخ الذين أعلنوا الخضوع للسلطة الإستعمارية وكان من ضمنهم الأمير أحمدو ولد سيد إعلي ، ويرى المؤرخ عبد الله فال أن هذه مجرد خطوة تكتيكية لكبح جماح غضب كبولاني وكسبا للوقت .. وقد واصل كبولاني رحلته في البراكنة في حين توجه الحاكم “روم” إلى خاي في السودان الفرنسي ..

وفي 3 دجمبر1903 وصلت بعثة كبولاني إلى بحيرة ألاك وقرر إنشاء مركز ألاك وتعيين الملازم De Rey قائدا عليه كما أرسل مبعوثين إلى الأمير أحمدو ولد سيد إعلي الذي يقيم في شكار ورد عليهم الأمير بأنه سيقابل كبولاني يوم 8 دجمبر ..

وفي هذه الليلة هوجم معسكر كبولاني من طرف الأمير أحمدو ولد سيد إعلي ومن معه من المقاومة وبمشاركة من الأمير عثمان ولد بكار ولد أسويد أحمد .. ويظهر هذا الهجوم صعوبة مهمة كبولاني في احتلال البلاد.

وقد استغل معارضو كبولاني في سينلوي أخبار هذا الهجوم و أشاعوا أخبار هزيمته في البراكنة، كما انقلب عليه أمير الترارزة في وقت سابق ..

وفي يوم 15 دجمبر عاد كبولاني إلى سينلوي.. يقول المؤلف جورج كبولاني : ” حادث 8 دجمبر عزز اعتقاد كبولاني بالعمل بسرعة على إقامة مراكز عسكرية دائمة وأيضا العمل على عزل الترارزة والبراكنة اللتان قد انشقا أميراهما ولجآ إلى قبائل محاربة، فذهب أمير الترارزة إلى إينشيري، أما الأمير أحمدو فقد قصد إدوعيش”.

وفي 18 دجمبر قام النقيب شوفو chauveau بالهجوم على مخيم الأمير أحمدو الذي التحق بالأمير بكار في مال ، فقام الملازم cheruy بالإستيلاء على 1000من الضأن و 500 جمل، وموازاة مع هذا أصدر كبولاني أوامر لسلطات الاحتلال في نهر السينغال بمنع تموين القبائل المعادية بالحبوب..

وفي 22 دجمبر انطلق من سينلوي على متن المركب البحري Goéland رفقة النقيب فرير جان Frerejean و50 من الرماة مع شحنة من أدوات البناء وذلك لبناء مركز نواكشوط أو ما يسمى أيضا: طرفايت المنصور ، والهدف من هذا المركز هو سهولة تموين المستعمرة الجديدة بالمؤن عن طريق البحر أضف إلى ذلك أن النقل البحري يتيح نقل كمية كبيرة من المؤن والبضائع تعجز الإبل والثيران عن حملها برا ، فضلا عن ذلك فهذا المركز الجديد الذي يبعد عن المحيط بستة كلم يضاف إلى المراكز العسكرية الأخرى لتحقيق هدف كبولاني في بسط نفوذه على الأرض والقيام بعمليات الهجوم على المقاومة والساكنة الرافضة للإحتلال في عمق الترارزة .. وبعد أربعة أيام غادر كبولاني مركز نواكشوط على متن نفس المركب البحري وترك النقيب فرير جان يواصل بناء المركز وذلك على وقع انباء بهجوم وشيك عليه من طرف الأمير أحمد سالم ولد إعلي وحلفائه..

وتنفيذا لخطته في إقامة مراكز عسكرية على طول وادي نهر السينغال أنشأ في فبراير 1904 مركزا في ميت في غورغول سرعان ما هوجم في 17 من نفس الشهر من طرف الأمير بكار ولد أسويد أحمد .. وقد قرر كبولاني الهجوم على مخيم بكار ومباغتته في “گمل”.. وبعد هذا الهجوم عاد إلى سينلوي محتفلا بانتصاره على الأمير بكار وإزاحته من البراكنة..

وفي محاولة لحصار إدوعيش ومنعهم من الوصول إلى شمامة قرر إنشاء مركز عسكري في أمبود يوم 9 مايو 1904 وقد تعرض بدوره للهجوم من طرف المقاومة بعد أشهر من إنشائه.

وفي 10 مايو 1904 غادر كبولاني مال عائدا إلى سينلوي.. وخلال لقائه بالحاكم ” روم “عبر له عن رفض وزير الخارجية لانخراطه في مشروع احتلال تكانت وذلك بسبب الوضع الدولي في الشرق الأقصى ، ففرنسا التي تربطها اتفاقية سرية مع روسيا في سنة 1892، تراقب بقلق الحرب التي تشنها اليابان على حليفها الروسي منذ فبراير 1904 بسبب الصراع على إقليم “مانداشوري” .. ولم تتمكن فرنسا من دعم حليفها المهزوم ويعود ذلك إلى الإتفاق الذي عقدته مع انكلترا حليفة اليابان بعدم التدخل في الحرب..

وفي هذه الأثناء دعا كبولاني كلا من الأمير سيد ولد محمد فال والنقيب فريرجان إلى لقائه في سينلوي.. وكان الهدف من لقاء الأمير هو اعلان الترارزة تحت الحماية الفرنسية بالإضافة إلبراكنة .. وفي نهاية يونيو بعث كبولاني تقريرا عن مهمة تنظيم تكانت و سافر إلى فرنسا حيث التقى مع الحكومة في باريس وأصر على الاستمرار في مشروع احتلال موريتانيا مقدما لمحاوريه اغراءات من وراء هذه العملية وتعهدات بنجاح مهمته.. وفي أكتوبر 1904 تم تعيينه مفوضا للحكومة الفرنسية على موريتانيا التي أصبحت إقليما مدنيا، كما حصل من وزير المستعمرات على إذن بتشكيل حملته على تكانت وآدرار، وعندما عاد إلى سينلوي في دجمبر 1904 استقبله الحاكم “روم” ووعده بتوفير كل الوسائل لإنجاح مهمته..


ومع أن كبولاني تمكن من احتلال الترارزة بحلول مطلع العام 1905، إلا أنه لم يحتل قلوب ساكنتها التي قاومته في اللحظات الأولى من قمتها إلى قاعدتها ، ولم تسلم مراكزه العسكرية من الهجوم والتدمير ، كما أفتى عدد من العلماء فيها بوجوب مقاومته والهجرة عنه وعلى رأسهم العلامة أحمد بن الحسن بن مادي ، وقد التحق عدد كبير من هؤلاء العلماء بصفوف المقاومة في الشمال في السمارة حيث يقود العلامة الشيخ ماء العينين الجهاد المسلح ضد الفرنسيين في موريتانيا ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:

– الشيخ سيديا الملقب ديديا ولد الشيخ أحمدو ولد سليمان

– سيديا ولد قطرب

– الشيخ محمدو ولد أحمذي … وغيرهم

في النصف الأول من شهر فبراير1905 كانت حملة كبولاني المتجهة إلى تجكجة تتموقع في ” كيمي” و تتكون من :

– 350 من الرماة السينغاليين

– 110 من الجنود الجزائريين

– 200 من الگوم البيظان

ولاتخاذ موقف حاسم حول قرار الحرب قرر الأمير بكار ولد أسويد أحمد والأمير المختار ولد أحمد ولد أمحمد شين توحيد جهودهما لمقاومة مشروع كبولاني الاستعماري ، وتم الاتفاق على إغلاق ممر فم البطحاء المؤدي إلى تكانت..

يوم 16 فبراير 1905 انطلقت الحملة من “كيمي” ، وعندما علم كبولاني أن مقاومة إدوعيش تنتظره عند “فم البطحاء” قرر صعود تكانت من ممر “دكل” المهجور.. وأمام هذه المفاجأة قرر إدوعيش وحلفاؤهم من القبائل التجمع في “دركل”..

وبعد وصول كبولاني إلى قصر البركة قام بتكليف المساعد ليستر دي ري lestre dy Rey ومن معه من الگوم بالتوجه إلى “البدر” لمراقبة ممر “المشرع” لاستقبال قافلة تموين قادمة من كيهيدي ، ويقول “راندو” أن نقص التموين عند الحملة دفع De rey إلى الاستيلاء على قطعان الضأن التي ترعى في تامورت النعاج والاستيلاء أيضا على مخازن الغلال التابعة لإدوعيش ، فهوجم على التو من طرف المقاومة في دركل يوم 26 فبراير 1905 وهزم هزيمة نكراء فقتل 13 من الگوم وأصيب هو بجرح خطيرة اضطرته إلى الإنسحاب إلى معسكره في البدر ..

وعلى إثر هذه الهزيمة الساحقة استدعى كبولاني النقيب فرير جان وكلفه بتأمين المعسكر وبعد ذلك ملاحقة الأمير بكار وتحييد المقاومة .. وفي فاتح شهر ابريل 1905 قام النقيب بشن هجوم مفاجئ على مخيم الأمير في بوگادوم في العصابة وأصابوه بجروج مميتة وانسحبوا عائدين إلى تجكجة التي وصلوها في العاشر من نفس الشهر، وبطبيعة الحال فإن الأمير المختار ولد أحمد سيواصل المقاومة رفقة أبناء بكار وخصوصاعثمان ولد بكار وأحمد محمود ولد بكار ..

وفي 12 مايو 1905 سيأتي الانتقام لمقتل الأمير بكار من آدرار، إذ ستشن مجموعة يقودها الشريف سيدي ولد مولاي الزين قادمة أساسا من واد أمحيرث هجوما على قلعة تجكجة الاستعمارية وسيتم فيه القضاء على قائد ومنظر حملة احتلال موريتانيا :گزافيي كبولاني..

وبعد مقتله أخذ القيادة النقيب فرير جان الذي سيرتكب فعلين من جرائم الحرب الأول منهما إجهازه على الشهيد أحمد مولود ولد لميلح وهو جريح، وأيضا محاكمته العسكرية للأسير الجريح أحمد ولد أعميرة ولد أباه وإعدامه شنقا..

وفي يوم 24 يونيو 1905 وصل المفوض الجديد كامدي بيسك إلى تجكجة وهو ما أدى إلى فك الحصار الذي فرضه الأمير سيد أحمد ولد عيده منذ شهر تقريبا على معسكر النقيب فرير جان تخللته اشتباكات عديدة بين الطرفين ..

وكانت التعليمات واضحة للمفوض الجديد وهي المحافظة على الأراضي التي تم احتلالها حتى الآن وعدم تجاوزها قيد أنملة.. كما قام بإعادة نصف الكتيبة إلى السينغال وعلى رأسهم النقيب فرير جان..

أما المقاومة الموريتانية فما زال الهدف أمامها قائما وهو تخليص البلاد من الاحتلال الأجنبي، وهذا يعني الهجوم على كتيبة تجكجة وهو ما يتطلب حشدا شاملا للمقاومة والتزود بأسلحة ذات طلق سريع.. وهنا تأتي الدعوة التي وجهها المجاهد الكبير الشيخ ماء العينين ولد الشيخ محمد فاضل للأمراء والشيوخ وقادة الجهاد في البلاد للقائه في مدينة السمارة لتنسيق وتنفيذ استراتيجية حاسمة لطرد المحتل الأجنبي..

وكان من نتائج ما عرف بمؤتمر الأركاب المنعقد 20 مارس 1906 هو معركة النيملان الفاصلة التي دارت رحاها على هضبة تكانت يوم 25 أكتوبر 1906 بين المقاومة المجتمعة من جميع جهات البلاد وجيش الاحتلال الأجنبي وقد أسفرت عن انتصار ساحق للمقاومة ومقتل العشرات من جنود الاحتلال بمن فيهم القادة الميدانيين للمعركة.. وغداة هذا الانتصار الكبير تم الزحف نحو تجكجة ومحاصرة مقر ثكنة الاحتلال وأحكم عليها الحصار نحو شهر تقريبا.

وبسبب التعزيزات القادمة من السينغال بقيادة المقدم ميشار تم فك الحصار وانسحبت المقاومة إلى آدرار لتبدأ سلسلة من المعارك الفاصلة كان النصر فيها للمقاومة وخسر فيها الاحتلال العديد من قواده البارزين..

وهنا نصل إلى الرجل الثاني الذي يعود إليه احتلال باقي البلاد، إينشيري و آدرار وتيرس الزمور ونواذيبو ، بعد احتلال الحوضين والعصابة والترارزة والبراكنة وتكانت من طرف الاستعماري كبولاني، هذا الرجل هو العقيد غورو الذي عين في نوفمبر 1907 وتم تكليفه باستكمال عملية الإحتلال.. ولكنه في سبيل إنجازه لهذه المهمة سيخسر بعض أفضل قواد الاحتلال الفرنسي على الإطلاق وسيقتلون بنيران المقاومة كما قتل قائدهم كبولاني ..

وبعد وصوله إلى مدينة أندر مفوضا لحكومة افريقيا الفرنسية على موريتانيا يوم 20 دجمبر 1907 قام بتعيين النقيب ريبو Repoux على حامية أكجوجت وذلك تمهيدا للتحرك نحو أطار، كما تم استدعاء الرائد فرير جان من فرنسا للمرة الثانية للمساعدة في حملة احتلال آدرار المزمعة.. وفي مقابل هذه المستجدات من جانب الاحتلال قامت المقاومة بتنسيق جهودها والعمل على افشال خطة العقيد غورو في التقدم شمالا واحتلال آدرار ، ولتجسيد هذه الجهود قام الشيخ ماء العينين بتعيين ابنه الشيخ حسنة قائدا ومنسقا لعمليات المقاومة في الشمال ومعه كتيبة التلاميذ وهم عبارة عن كل المقاومين الذين لبوا نداء الشيخ ماء العينين لمواجهة احتلال موريتانيا والتحقوا به في السمارة وبعد أن تزودوا بالعدة والعتاد عادوا رفقة الشيخ حسنة إلى ميدان المواجهة في إينشيري، وهناك كتيبة الأمير سيد أحمد ولد أحمد العيدة وهي تضم العديد من قادة المقاومة في الترارزة وتكانت وآدرار نذكر منهم الأمير سيدي ولد سيدي وأخوه أحمد ولد الديد والأمير عثمان ولد بكار وأخوه أحمد محمود بالإضافة إلى عدد من أبطال المقاومة من البراكنة وغورغول والعصابة ..

لقد كانت سنة 1908 جحيما على قوات الاحتلال إذ كبدته فيها المقاومة خسائر جسيمة في ضباطه وجنوده يقول الرائد جيليي بالحرف : من مارس 1908 إلى نهاية نوفمبر كان علينا أن نواجه أكثر من 135 هجوما وكانت خسائرنا ترتفع إلى ثلاث ضباط وخمسة ضباط صف 134 قناصا قتلى و7 أوربيين و40 من البلديين جرحى، وتم الاستيلاء على العديد من قوافل التمويل وقطع أسلاك الاتصال بالتلغراف أكثر من 20 مرة، كما تم الاستيلاء على أعداد لا تحصى من المواشي ، وكان علينا أن نعترف بعجزنا وعدم قدرتنا على حماية السكان الخاضعين لنا” انتهى..

ومع أن الرائد جيليي في كتابه التوغل في موريتانيا والرائد غاستون ديفور في كتابه العمليات العسكرية في موريتانيا والرائد فرير جان في مذكراته، يقدمون سردا بجميع المعارك التي خاضها الاحتلال الفرنسي ضد المقاومة ، إلا أن المؤرخ الطالب اخيار ولد الشيخ مامينه في كتابه : الشيخ ماء العينين ، علماء وأمراء في مواجهة الاحتلال الأوربي، الصادر سنة 2007 يعود إليه الفضل في إعداد أول جرد مفصل بمعارك المقاومة الموريتانية ضد الاحتلال الفرنسي مع عرض الكثير من التفاصيل عن قائد المعركة والمشاركين فيها ، ويمكننا اعتمادا على ما ورد في كتابه وأيضا ما ورد في كتب عسكريي الاحتلال و إدارييه أن نقدم عرضا مجملا بمعارك المقاومة الوطنية وانتصاراتها على المحتل الأجنبي ، ولكننا سنبدأ بما كتبه العقيد غورو في مذكراته ، يقول : “في 16 مارس قتل النقيب Repoux قائد مركز أكجوجت المتقدم بعد مواجهة مع عصابة يقودها الأمير بنفسه ، وفي 8 ابريل هاجمت طليعة من تلاميذ الشيخ ماء العينين بعثها إلى ابنه الشيخ حسنة لمحاربتنا، هذه المجموعة قضت على قافلة صغيرة في دمان وقتل ضابطا صف هما الرقيبين : آرنو وجود لا Arno et Joudelat” وهو يواصل قائلا : ” يجب الاعتراف أنهم عندما يلاحظون أن الانتصار في المعركة سيكون حليفهم، فهم يظهرون شجاعة حقيقية، وهم مشاة صبورون ورماة مهرة..” ويواصل العقيد غورو قائلا: “وقد أصبحت عندهم مدافع بفوهات صغيرة مماثلة للتي عندنا، وعندهم الكثير من الذخيرة ويطلقون الرصاص بتسديد محكم ومن مسافة قريبة كما يفعل الصياد الماهر.. وبكلمة واحدة هم منافسون حقيقيون.” انتهى.. ويظهر استعراض معارك المقاومة مستوى وحدة وكثافة الجهود التي بذلها أبطال المقاومة لصد المحتل الأجنبي قبل ومنذ تعيين العقيد غورو في نوفمبر 1907 ، فبعد معركة النيملان الفاصلة وحصار تجكجة الذي تبعها ، هاجمت في يونيو 1907 كتيبة من المقاومة يقودها أجاه ولد المعيوف مركز أخروفة الذي يقوده الملازم أشميت في الترارزة وقتلت اثنين من جنوده وغنمت عددا من الذخيرة ، و في خريف نفس العام اندلعت انتفاضة في سيلبابي يقودها العلماء ويشارك فيها الطلاب والسكان لطرد المحتل الأجنبي من الضفة ولكن تم قمعها من طرف كتيبة يقودها النقيب Repoux والذي سيلقى حتفه في العام الموالي في يغرف إلى الجنوب من آدرار يوم 16 مارس 1908 في معركة حاسمة يقودها الأمير سيد أحمد ولد أحمد العيدة ويشارك فيها أمراء من الترارزة وتكانت والبراكنة..

وفي 8 ابريل 1908 يشتبك القائد سيد محمد ولد حامني في دمان في إينشيري مع كتيبة من الإحتلال يقودها الملازم جربير وقد قتل17 من جنود هذه الكتيبة .. وفي 22 مايو دارت معركة كبيرة عند موقع أيكنينت التيكويت إلى الشرق من أكجوجت مع فرقة يقودها الملازم أوبير Aubert وقد استشهد فيها عدد من العلماء والأبطال وأيضا قائدها عبد الله ولد باريك.. والغرض من هذه المعارك هو محاصرة الاحتلال في إينشيري ومنعه من التقدم نحو آدرار .. وفي الأسبوع الأول من يونيو 1908 هاجم الأمير أحمد ولد الديد في البراكنة قافلة مخفورة للمستعمر واستولى عليها بعد قتل عدد من الحراس وفرار الباقي.. وفي منتصف شهر يونيو وقعت معركة المينان الفاصلة في تكانت وكان من نتائجها مقتل القائد مانجان المعروف ببوضرس مؤسس جمالة تكانت وكانت تلك خسارة ثانية كبرى للمفوض غورو بعد خسارته للنقيب Repoux قائد مركز أكجوجت ، أما قائد كتائب المقاومة الميداني فهو القاضي سيد محمد ولد حامني في حين ينسق الشيخ حسنة ولد الشيخ ماء العينين عمليات المقاومة في إينشيري وتكانت إلى جانب الأمير سيد أحمد ولد أحمد العيدة.. وقد استشهد فيها بعض الأبطال المشاركين في معركة تجكجة الكبرى..

وفي 24 يوليو 1908 قامت المقاومة بردم بئر أنورماش والآبار القريبة منها في إينشيري مما أدى إلى مقتل 30 من كتيبة الملازم Berger المتجهة إلى أكجوجت تخفر قافلة تموين وذلك بسبب العطش..

وأمام هذه الهزائم المنكرة التي عرفها الاحتلال في إينشيري أصدر المفوض غورو أوامره للرائد فرير بإخلاء مركز أكجوجت وهو ما تم في سبتمبر 1908..

وفي الرشيد بتكانت هاجمت يوم 18 أغسطس 1908 كتيبة للإحتلال قادمة من تجكجة معقل المجاهد محمد المختار ولد الحامد وضربت القرية بالقنابل الثقيلة، ولكن المجاهد خرج سالما والتحق بالمقاومة في آدرار..

وتلت هذه المعركة معارك أخرى بالعشرات نذكر منها معركة المجرية ومعركة لتفتار في تكانت ومعركة الكويشيشي في الترارزة التي دارت رحاها يوم 28 نوفمبر 1908 بقيادة الأمير أحمد الديد وقتل فيها قائد كتيبة الترارزة الملازم روبول وكانت نكسة حقيقية للإحتلال..

وأمام هذه الانتصارات الساحقة للمقاومة في سنة 1908 انطلقت من المجرية في فاتح دجمبر 1908 حملة العقيد غورو لاحتلال آدرار، وكانت حملة استثنائية من حيث العدد والعدة وهو ما يظهر القوة الكبيرة التي يعتقد غورو أن المقاومة تمتلكها، فقد انطلق بجيش جرار يضم أكثر من 1000 عنصر ما بين الضباط الأوربيين والرماة والمناصرين وغيرهم مستخدمين أكثر من ألف جمل للركوب وحمل الأمتعة، أما الأسلحة فتتنوع من مئات آلاف الطلقات إلى مئات القذائف وعدد كبير من أسلحة الرشاش، أضف إلى ذلك كتيبة للرائد فرير جان متواجدة منذ الخريف عند سفوح آدرار الجنوبية ، وخلال أيام سفرها من المجرية إلى آدرار لم يتم الانتباه إلى وجودها ولكنها عندما وصلت يوم 24 دجمبر حدود آدرار أصبحت مراقبة من طرف المقاومة ، فتمت مهاجمة فرقتها الاستطلاعية يوم 25 دجمبر في شمط وتمت إبادتها تقريبا ويقود المقاومة المجاهدان يب ولد زيدان والجاش ولد الجاش و تضم في صفوفها بعض الأبطال الناجين من معركة تجكجة الكبرى، وتبع هذا الانتصار الساحق هجوم تيفجار الذي أودى بمقتل عدد من رماة الاحتلال ، وفي آزويكة تعرض الرائد فرير جان لعدة هجومات منذ تمركزه في سفح جبل إيبي من طرف الأمير سيد أحمد ولد أحمد العيدة مما دفع العقيد غورو يوم 27 دجمبر إلى دعمه وترك أغلبية الجيش في أماطيل تحت قيادة النقيب بابلون الذي تعرض بدوره لهجوم قوي بقيادة الشيخ حسنه وكان من نتائجه مقتل عدد من جنود الاحتلال وجرح النقيب بابلون، وحال تلقيه خبر هذا الهجوم الناجح سارع العقيد غورو إلى الالتحاق بجيشه في أماطيل رفقة الرائد فرير جان وقد وصل يوم 6 يناير 1909 ومنها انطلق يوم 8 يناير باتجاه أطار وعند وصولهم إلى حمدون اشتبكوا مع المقاومة بقيادة الشيخ حسنه ولد الشيخ ماء العينين والأمير سيد أحمد ولد أحمد العيدة وقد قتل 5 من جنود الاحتلال..

ومع أن العقيد غورو تمكن من دخول أطار في اليوم الموالي يوم 9 يناير 1909 إلا أنه فقد العديد من جنوده وخسر الكثير من عتاده، بل يمكن القول إن تعيينه حاكما على موريتانيا رافقته هزائم واخفاقات كثيرة للإحتلال الفرنسي، مما ينزع عنه أسطورة القائد الذي لا يهزم ، وستتوالى هزائمه بعد دخوله أطار ، إذ ستشتبك قواته مع المقاومة بقيادة الولي بن الشيخ ماء العينين والأمير سيد أحمد ولد أحمد العيدة في أكسير الطرشان في يوليو 1909 وسيقتل في هذه المعركة الملازم المعروف فيولي وعدد آخر من جنود الاحتلال، وفي يوم 30 ابريل عام 1909 سيلقى النقيب بابلوه حتفه في معركة أغسرمت وسيكون لهذا الخبر دوي الكارثة في باريس على الرأي العام الفرنسي.. وفي أكتوبر 1909 ستنتهي مهمة العقيد غورو ويعود إلى فرنسا تاركا للنقيب كلوديل تسيير الأمور بالنيابة.. ولكن المقاومة لن تدع الاحتلال يلتقط أنفاسه فستشن عليه هجومات متعددة ومن مختلف الجبهات في أنحاء الوطن ، ففي الحوض الغربي وبالتحديد في البيظ سيشتبك في مارس 1909 المجاهد سيد ولد الغوث مع كتيبة من الاحتلال، وغير بعيد في تامشكط في منطقة الجحافية سيقود المجاهد محمد محمود ولد سيد لكحل ولد أحجور في مايو 1911 معركة سيتم فيها القضاء على كامل كتيبة الاحتلال في كيفة مع قائدها الملازم دوماسيز، وفي يناير 1912 ستشتبك المقاومة في تيشيت بقيادة الأمير سيد أحمد ولد أحمد العيدة مع كتيبة الاحتلال بقيادة المقدم باتي Patey حاكم موريتانيا وستنتهي بأسر الأمير الشاب واستشهاد وزيره القوي أحمد ولد ابراهيم ولد مكيه، وسيواجه الاحتلال الفرنسي عشرات الهجومات والاشتباكات والمناوشات في كوركل والعصابة والحوضين وتكانت وآدرار، وستتوج كلها بالانتصار الساحق في معركة البيرات في آحميم في أقصى الشمال الغربي من إينشيري حاليا في 10 يناير 1913،وستعرف في الحوليات الاستعمارية بإسم هزيمة البيرات، وتعود فكرة الهجوم إلى البطل القائد فياه ولد المعيوف والتي أوصلها إلى المجاهد محمد الأغظف ولد الشيخ ماء العينين في السمارة إذ أخبره بامكانية الهجوم على الفرقة

الثانية لجمالة آدرار في البيرات فبعث معه كتيبة يقودها البطل محمد ولد الخليل ولد الدخيل وتضم البطل التقي ولد المامي وبعد المواجهة بين كتيبة الاحتلال بقيادة الملازم مارتين وكتيبة المقاومة أبيدت كتيبة الاحتلال عن آخرها.. وكان لهذه الهزيمة وقعها الثقيل على الرأي العام الفرنسي وكردة فعل قامت سلطات الاحتلال بتنظيم حملة كبيرة في مارس لضرب القواعد الخلفية للمقاومة ولكنها باءت بالفشل وقتل عدد كببر من جنودها من بينهم النقيب جيرهارد الذي شكل أيضا خسارة يصعب تعويضها..

وفي وادان هاجم القائد اعل ولد ميارة كتيبة الاحتلال في حفرة وادان في سبتمبر 1913 مستهدفا حرس الزريبة وقتل منهم 27 واستولى على كامل إبلها..

وفي الحوض الشرقي سيقود المجاهدان محمد ولد عبدوكة وابنه الشيخ حرب مقاومة مفتوحة على الاحتلال، وفي فبراير 1916 سيشتبكون مع فرقة من الاحتلال وسيقتلون منها تسعة من الجنود..

ومع مطلع العشرية الثالثة من القرن العشرين ستحظى المقاومة بزخم جديد وذلك بانضمام منشقين من حرس الاحتلال بالإضافة إلى ظهور قائد جديد هو وجاهة ولد محمد تقي الله.. فبالإضافة إلى القادة الميدانيين المعروفين وهم أحمد ولد حمادي واسماعيل ولد الباردي وأحمد ولد أييه ومحمد عبد الله ولد عبد الوهاب واعل ولد ميارة والتقي ولد المامي ، تقوت المقاومة بانضمام منشقين بارزين عن كتائب الحرس الاستعماري ، بل سرعان ما أصبحوا من كبار قادة المقاومة نذكر منهم : الشيخ ولد لجرب وعثمان ولد كركوب والشيخ أحمد ولد لخديم وأعلية ولد الحاج.. وغيرهم.

وتواصلت هجومات المقاومة الوطنية على جيش الاحتلال، ففي مايو 1923 هاجم القائد وجاهة كتيبة الاحتلال في تنغرادة بالقرب من أكسير الطرشان واستولى على مائة من الإبل وقد استشهد في المواجهة البطل سيدي ولد أييه..

وفي 28 نوفمبر 1923 اشتبك القائد وجاهة مع مفرزة يقودها الملازم بدرين من الكتيبة الأولى لجمالة أطار في الشريريك في “شار” وألحق بها هزيمة نكراء واستولى على عدد هائل من الذخيرة، وفي 24 مارس 1924 هاجم القائد وجاهة مركز نواذيبو، وفي 6 مايو 1924 استشهد البطل وجاهة في الأروي بوكرن في تيرس وهو في مواجهة ثلاثة كتائب للاحتلال هي الكتيبة الأولى والثانية في آدرار وكتيبة الترارزة المتنقلة..

وفي أيام 2و3و4 ابريل 1925 وقعت معركة الطريفيات الفاصلة بين المقاومة والكتيبة الأولى لجمالة آدرار وذلك إلى الشمال من أطار، وكانت كتيبة المقاومة بقيادة القاضي محمد عبد الله ولد عبد الوهاب ومشاركة كافة القادة الآخرين مثل أحمد ولد أييه وعثمان ولد كركوب واسماعيل ولد الباردي وأحمد ولد حمادي والشيخ ولد لجرب والشيخ أحمد ولد لخديم،أما كتيبة الاحتلال فيقودها النقيب دي جيرفال ، وبعد الاشتباك بين الطرفين، أحكمت المقاومة حصارها للكتيبة التي قتل قائدها وأضطر عناصرها إلى بقر بطون الإبل للحصول على الماء ، يقول النقيب جيليي متحدثا بمرارة عن هذه المعركة الكبرى :”

وحسب تقرير فرنسي فإن البطل أحمد ولد أييه هو من سدد الطلقة القاتلة للنقيب دي جيرفال.. ثم يأخذ القائد محمد المأمون ولد محمد تقي الله زمام القيادة ويشتبك مع الاحتلال في آزويكة بآدرار يوم 15 يوليو 1925، فيقضي على فرقة الحراسة مع قائدها المدفعي تاميك ويستولي على قافلة التموين، وفي 23 يوليو 1927 يشتبك مع النقيب بونافوس قائد كتيبة الترارزة المتنقلة عند بئر آكليل ويحظى بالشهادة رفقة البطل الشيخ ولد لجرب.. وفي أتويرمه عند آمساكة يشتبك القائد مامينة ولد سيداتي يوم 1928 ويستشهد كل عثمان ولد كركوب والشيخ أحمد ولد لخديم وبيه ولد أحمد لعم .. وفي سنة 1931 يدخل قائد جديد إلى ساحة المقاومة هو المجاهد الشيخ محمد المامون ولد الشيخ محمد فاضل ولد محمد وهو قادم من ساحات الجهاد في فلسطين والمغرب، فيهاجم رفقة قادة ميدانيين على رأسهم البطل أحمد ولد حمادي والبطل الشهيد التقي ولد المامي يوم 6 سبتمبر 1931 معسكرا للاحتلال في توجنين بالقرب من شوم ويكبدوه خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.. وفي 19 مارس 1932 تدور معركة كبيرة في وديان الخروب بين الأمير سيد أحمد ولد أحمد العيدة والنقيب لوكوك وذلك على إثر مقتل عناصر من الكتيبة الثانية لأطار من ضمنهم الملازم ميسات والمساعد نكروني، وسيحظى الأمير بالشهادة في هذه المواجهة وهو مقبل غير مدبر، وفي 18 أغسطس 1932 ستنتقم المقاومة للشهيد الأمير الشاب في معركة أم التونسي الفاصلة التي قادها الشهيد سيد ولد الشيخ ولد العروسي، وتمت فيها إبادة العشرات من جنود كتيبة الترارزة المتنقلة منهم 6 ضباط كبار.. وفي 8 يناير 1934وفي آمساكة في إينشيري يهاجم القائد ابراهيم السالم بن ميشان قافلة من السيارات مخفورة متجهة إلى سينلوي ويدمرها، وبالرغم من أن سلطات الاحتلال يعرفون أنه يتواجد في تخوم آدرار الجنوبية إلا أنهم ظنوا أنه قد توغل بعيدا في اتجاه أغسرم، ولكن المفاجأة كانت كبيرة عندما ضرب في سهل آمساكة الغربي..

كانت تلك صفحات مشرقة من تاريخ المقاومة الموريتانية ضد الاستعمار الأجنبي، وفيها ضرب أبطال المقاومة المثل الأعلى في التضحية والجرأة والشجاعة والإقدام وكبدوا الاحتلال خسائر فادحة في الأرواح والعتاد وذلك على الرغم من الفارق في سلاح الطرفين، إلا أن شجاعة واقدام أبطال المقاومة عوضتهم عن رداءة أسلحتهم، فمدافعهم تضرب عن قرب مما يدفعهم إلى الالتحام الجسدي بالعدو..

ولعل السائل يسأل لماذا توقفت المقاومة المسلحة سنة 1934 وهو العام الذي يعرف ب”ملتقى الحكامة”، أي الربط بين الجيوش الفرنسية والاسبانية في مستعمرات موريتانيا والجزائر والمغرب والصحراء؟

يعود ذلك إلى عامل أساسي، أضعف المقاومة المسلحة ودفع بعض أفرادها إلى المكاتبة أو التخلي الطوعي عنها، وهو عامل التفوق التكنولوجي للمحتل الأجنبي، فقبل عشرين سنة من هذا التاريخ كانت المقاومة تستخدم المدافع التقليدية “الكشام” (المصنوعة محليا) وأحيانا السلاح الأوربي سريع الطلق (الوروار) وكانوا يستخدمون الإبل كلوجستيك حربي لخوض غمار المعارك، وهو نفس ما كان عند الفرنسيين وان كانوا يتفوقون على المقاومة باستخدام السلاح ذا الطلقات البعيدة والرشاش والمدافع الثقيلة والقنابل التدميرية.. كان هناك توازن معين، فوسيلة الركوب كانت واحدة وكانت شجاعة المقاوم تعوض رداءة سلاحه، فقد كان يحارب بروح فدائية استشهادية، وهذا ما جعل المقاومة تتنصر على المحتل الفرنسي في أغلب معاركها ضده.

ولكن عند مجيء العقد الثالث من القرن الماضي جاءت السيارة والطائرة وهو ما أخل بالتوازن العسكري بين المقاومة والمحتل الفرنسي، فالطائرة كانت تلاحق فلول المقاومة المنسحبة وتقضي عليها، وأصبحت السيارة تقطع مئات الأميال في وقت قياسي عكس سفينة الصحراء الجمل الصبور الذي لا يجاريها سرعة بأي حال من الأحوال ، أضف إلى هذا دخول الإسبان في المضمار وسعيهم في القضاء على المقاومة المناهضة للفرنسيين في الساقية الحمراء ووادي الذهب، كل هذا وغيره أدى إلى توقف المقاومة الموريتانية سنة 1934 ولكن بعد أن كبدت الفرنسيين خسائر لم يعرفوها في شبه المنطقة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى