صفحات مضيئة من تاريخ المقاومة في الترارزة ، محاضرة ألقاها الباحث أحمدو ولد الننيه في مهرجان المذرذرة 26 دجمبر 2025

صفحات مضيئة من تاريخ المقاومة في الترارزة
بقلم : أحمدو ولد الننيه
على غرار باقي مناطق التراب الوطني كانت الترارزة ميدانا للمواجهة الضارية بين المقاومة وكتائب الاحتلال الأجنبي ، كما كانت حصنا منيعا للممانعة الثقافية حفاظا على الهوية الحضارية لهذا الشعب ، بل إن أبناء الترارزة وبالأخص أبناء المذرذرة كانوا على موعد مع العدو في مواقع أخرى للمقاومة ولم لا فالعدو واحد والوطن واحد ..
أيها السادة والسيدات الحضور الكرام،
في الصفحات التالية سنستعرض معكم باختصار شديد صفحات مشرقة من تاريخ مقاومة الترارزة مع التركيز على الدور الذي قام به أبناء مدينتنا المذرذرة في مقاومة المحتل الأجنبي وصده عن دخول بلادنا..
برزت الأطماع الإستعمارية في إمارة الترارزة من خلال رجلين فرنسيين الأول هو لوي فيدرب والثاني هو كزافيي كبولاني ، وفي المرحلة الأولى تصدى الأمير محمد الحبيب ولد أعمر ولد المختار للوافد الأجنبي ، أما المرحلة الثانية فتميزت بمقاومة أميرية وهبة شعبية مسلحة وممانعة ثقافية بارزة..
وبين الهجمة الإستعمارية الأولى والثانية قرابة الأربعة عقود كان فيها ميزان القوة متوازنا بين ضفتي النهر مما سمح بإزدهار التجارة والتزام السلطات الفرنسية بدفع الضرائب العرفية المتفق عليها بين الطرفين.. كما عرفت هذه المدة القيام برحلات استكشافية استهدف من خلالها الفرنسيون في سينلوي القيام بمسح جغرافي وجيولوجي شامل لبلاد ما وراء الضفة اليمنى للنهر وكذلك القيام بدراسة الأوضاع الإجتماعية والسياسية في هذه البلاد..
وبدون سابق إنذار، وكمفاجأة للوبي التجاري في سينلوي برز المدعو كزافيي كبولاني يرفع شعار احتلال أراضي ما وراء الضفة اليمنى لنهر السينغال، وهو ما سيبرز لاحقا تحت مسمى ” مهمة احتلال آدرار سلميا” ، ولم يبخل الغازي الجديد في وضع مختلف الطعوم في الفم الشره للسلطة الإستعمارية الفرنسية، فهو ينذرها بخطورة ترك هذه البلاد الواسعة بين نهر السينغال والمغرب من دون التبعية لفرنسا، متبجحا أمام أصحاب القرار في باريس بإمكانية غزو هذه البلاد وإخضاعها سلميا ، كما فعل مع قبائل الحوض وتومبكتو في السودان الفرنسي سنة 1898 ، ويواصل إرضاء لغرور رؤسائه قائلا أن هذا الإحتلال لن يكلف الحكومة الفرنسية فرنكا واحدا ، بل يتعهد بضخ أموال إلى الخزينة الفرنسية تفوق 100 ألف أفرنك قديم هي ضرائب المستعمرة الجديدة..
وكانت نتيجة هذه الإغراءات صدور مرسوم وزاري يوم 27 دجمبر 1899 بإنشاء مستعمرة موريتانيا الغربية ..
ولتجسيد هذا الهدف تم تعيين كبولاني يوم 10 دجمبر 1902 مقيما لدى الحاكم العام لإفريقيا الفرنسية في سينلوي ولاحقا في مايو 1903 مندوبا مكلفا بشؤون الترازة ، و سيصطدم هذا المشروع بمعارضة اللوبي التجاري القوي في سينلوي والذي يرفض التدخل الفرنسي في شؤون إمارات الضفة اليمنى للنهر وهي : الترارزة والبراكنة وإدوعيش واستمرار التبادل التجاري الواسع مع التجار البيضان، وحرية تجارة الرقيق و أيضا مواصلة تهريب السلاح والذخائر نحو الضفة اليمنى..
ولكن الخطة الإستعمارية لكبولاني كانت تسير في اتجاه معاكس وهي : إلغاء الرسوم العرفية التي تمنحها فرنسا لأمير الترارزة ، وفرض ضريبة تدفع للخزينة الفرنسية تسمى” الزكاة” وأخيرا تولي كبولاني تعيين القضاة في الترارزة.. ولكن هذه الخطة التي شرع في تنفيذها من خلال إنشاء مراكز عسكرية متقدمة في عمق الترارزة سيتم رفضها من طرف الأمير أحمد سالم ولد إعلي معلنا الحرب عليه ، و هو القرار الذي سيتخذه لاحقا الأمير سيد ولد محمد فال وأخوه أحمد الديد..
أما الهبة الشعبية للمقاومة في الترارزة فلم تنتظر لحظة هي الأخرى ، فقد هوجم مركز سهوت الماء من طرف القائد المختار أم ولد الحيدب في مايو 1903 ويقول الرائد فرير جان بأن هذا هو أول هجوم نتعرض له من طرف البيظان ، ويتبع ذلك مباشرة هجوم الأمير أحمد سالم على نفس المركز ، وستتكرر هذه الهجومات طوال العام الموالي ، وفي مارس 1904 سيشن القائد علي ولد المراكشي وبالتحالف مع الرحاحلة سلسلة هجومات على الفرنسيين في سهوت الماء وأخروفة والتاكلالت كما اعترف بذلك الرائد جيليي في كتابه التوغل في موريتانيا ، وسرعان ما سيدخل ميدان المقاومة الأميران سيد ولد محمد فال وأخوه أحمد الديد بداية من 1905 فالأول سينخرط في مقاومة مفتوحة قرابة ثلاثة عقود من الزمن في موريتانيا والمغرب وسيكتب له تاريخ المقاومة قتله للقائد الكبير Repoux في أكجوجت 1908 و جهاده في المغرب إلى جانب السلطان أحمد الهيبة ، أما أحمد الديد فسيلقن المحتل الأجنبي دروسا في المقاومة لن ينسوها ويكفي أن نذكر منها معركة لكويشيش الخالدة في الترارزة التي توافق ذكرى الإستقلال الوطني والتي دارت رحاها يوم 28 نوفمبر 1908 ..
وسنتطرق هنا بإختصار إلى بعض المعارك التي دارت بين المقاومة والمحتل الأجنبي.
معركة سهوت الماء
في يوم 16 يونيو 1903 حدثت في مركز سهوت الماء التابع للمحتل الأجنبي أول معركة بين الاحتلال الفرنسي الوافد وبين فرقة من المجاهدين من أولاد دمان وأولاد الفاغي بقيادة المختار أم ولد محمد ولد الحيدب ، ويقول فرير جان في مذكراته في الصفحة 49 : ( كانت هذه أول معركة لنا مع البيظان ) وقد قتل فيها المارشال دي لوجي شارترون ، تلتها مناوشات بين الطرفين في بوطليحية شرقي الترارزة أيام 14 و 17 و 31 مارس 1904م، استشهد في الأخيرة منها القائد “المختارأم”. وتظهر هذه المواجهة المبكرة رفض ساكنة الترارزة لمشروع كبولاني في احتلال بلادهم ..
وفي نوفمبر 1903 أعلن الأمير أحمد سالم ولد إعلي الحرب على كبولاني وهاجم مركز أخروفة ثم انسحب إلى الشمال ليكرر هذه الهجومات أكثر من مرة ..
معركة التاكلالت
التعريف اللغوي للمكان: كلمة صنهاجية ومعناها بالعربية: البتراء
الموقع الجغرافي: تقع في منطقة إكيدي في وسط ولاية الترا رزة، وهي على بعد 20 كلم إلى الشمال من المذرذرة .
تاريخ المعركة: 12 مارس 4190
عدد قوة المقاومة :200
القائد: علي ولد المراكشي – البانون ولد أحمد لباه
عدد قوة الاحتلال: فصيل من الرماة الجمالة
القائد: الرقيب فيليب Philip
عدد شهداء المقاومة: 1
عدد قتلى قوة الاحتلال: 2
يقول الرائد جيليي في كتابه : التوغل في موريتانيا عن معركة التاكلالت ما نصه : ” في 12 مارس 1904 تمت مهاجمة فصيلة يقودها الرقيب فيليب من طرف 200 من أولاد بسبع والرحاحلة عند التاكلالت بين سهوت الماء وأخروفة، وقتل منا قناصان وجرح واحد “.. ومن المشاركين في هذه المعركة نذكر: محمد المختار ولد غده ، محمد ولد عبيد ، أحمد سالم ولد الديك والمختار السالم ولد بركام..
معركة الكويشيشي:
هي واسطة العقد في معارك المقاومة للإحتلال الفرنسي في الترارزة وذلك يعود إلى مستوى مستوى الحشد بين الطرفين وقوة المواجهة وأيضا إلى خسائرها بالنسبة للمستعمر.. وهي توافق ذكرى الإستقلال الوطني إذ دارت رحاها يوم 28 / 11/ 1908 , وكلمة الكويشيشي هي تصغير للكاشوش بمعنى الصدر وهي بئر يقع على بعد 18 كلم إلى الغرب من بلدية تكند ، أما قائدها فهو الأمير البطل أحمد ولد الديد ومعه كتيبة من المجاهدين من الترارزة وإينشيري وآدرار ، أما قائد الإحتلال فهو الملازم روبول حاكم الترارزة العسكري ، وجرت المواجهة في الكويشيشي على طريقة المعارك التقليدية التي يتواجه فيها جيشان وجها لوجه .. وقبل أن يقع الاشتباك بين الطرفين خاطب الأمير أحمد الديد المجاهدين قائلا لهم : لا بد لكم من القتال والشهادة فليس أمامكم إلا البحر ، وكان من نتائجها مقتل القائد الاستعماري الملازم روبول و 12 من جنوده ، أما المقاومة فقد استشهد 4 منها ..
ومن أبناء المذرذرة الذين أعلنوا رفض المستعمر المجاهد الشهيد سيديا ولد قطرب الديماني الذي هاجر عن المستعمر عندما احتل الترارزة وشارك في معركة أكسير الطرشان في آدرار 1909 ولقي الشهادة مجاهدا في أزواد رحمه الله تعالى، يقول : مركن كولونيل ادْيَارْ ۞ ما نتخمَّمْ عنهَ نرْحلْ
گَسْتْ أطارْ ءُ جَانِي فأطارْ ۞ واتْركْتْ أطارْ إلْ كولنلْ
ءُ گِسْتْ التَّل ءُ لاَنِي باغيهْ ۞ ما نبغِي كنتْ انْگِيسْ التَّلْ
يغيرْ ابْلَدْ كاملْ ما فيهْ ۞ كُولنَلْ ألاَّ متْعدَّلْ
وفي هذه العجالة لا بد أن نتوقف عند المجاهد الشهيد الشيخ ولد لجرب الذي انخرط في المقاومة في وقت مبكر و استشهد في ميدان الشرف مقبلا غير مدبر..
القائد الشهيد الشيخ ولد لجرب الرحالي
مسار حافل بالأمجاد والبطولات
تميز مسار المجاهد الشيخ ولد لجرب بالشجاعة والإقدام والثقة المطلقة في النفس ، خصال دفعته إلى الارتقاء في مراتب القيادة والمجد وتحقيق الانتصارات التي تبوأ بها مكانته في حوليات المقاومة الموريتانية ضد الاحتلال الفرنسي ..
وهو من المقاومين القلائل الذين تركوا في نفس الرأي العام الفرنسي ذكريات لا تنسى فشغل صفحات الجرائد الفرنسية الاستعمارية وكان موضوع أفلام وثائقية عديدة ..
هو الشيخ ولد لجرب من فخذ أولاد عمران من قبيلة الرحاحلة ولد في حدود 1866 في ضواحي الترارزة، وقد نشأ في بيت فروسية ، أما أمه فهي مريم بنت أحمد الجكنية وقد سهرت على تربيته ، فحفظ القرآن الكريم ودرس بعض العلوم الشرعية والعربية..
عندما بلغ سن الرشد شاهد التوغل الفرنسي في الترارزه وقرر مواجهته مع مجموعته القبلية ، فقاموا بمواجهته في مراكزه العسكرية التي أقامها في سهوت الماء وأخروفة والتاكلالت خلال العام 1904 ، ثم عاد إلى الإنخراط في المقاومة كأحد كبار قادتها إلي جانب القائد وجاهة ولد الشيخ محمد تقي الله و تاليا مع شقيقه محمد المأمون الذي استشهد إلى جانبه في معركة آكليل في مواجهة مع الكتيبة المتنقلة في الترازة سنة 1927..
خاض المجاهد الشهيد والقائد الشيخ ولد لجرب جميع المعارك التي خاضتها المقاومة ضد المحتل الأجنبي منذ 1918 وحتى استشهاده، نذكر منها معارك تنغرادة و الشريريك ولگديم والطريفيات ونواذيبو وآزويكة وآكليل وقد عرف فيها بالشجاعة والإقدام ، واشتهر عنه خوف أعدائه منه ورهبتهم عند ذكر إسمه ..
ومن العمليات الجريئة التي قادها بنفسه وكان لها صدى كبيرا ليس في موريتانيا فحسب بل وفي فرنسا ، الهجوم الذي شنه يوم 11/11/1926 على الطائرات الفرنسية التي تقوم بعملية الربط الجوي بين السينغال وموريتانيا والمغرب وكان من نتائجه مقتل 2 من الطيارين وأسر آخر تم التفاوض لاحقا على افتدائه بمبلغ كبير من المال ، وكان لهذا الهجوم أثره الإيجابي الكبير على الساحة المحلية حيث منح زخما كبيرا للمقاومة وتشجيعا لمواجهة المستعمر الغاصب ، أما على الصعيد الدولي فقد اعتبرته الصحافة والرأي العام الفرنسي هزيمة لهم في ساحة النزال في موريتانيا ، وقد تم في باريس إنتاج فيلم يحكي قصة هذا الهجوم على الطيارين الفرنسيين..
وفي يوم 3 يوليو 1927 كان القائد البطل الشيخ ولد لجرب على موعد مع الشهادة رفقة القائد محمد المأمون ولد الشيخ محمد تقي الله عند بئر آكليل شمالي نواكشوط وذلك في مواجهة مع النقيب بونافوس الذي يقود الفرقة المتنقلة في الترازة، وقد لقي الشهادة مقبلا غير مدبر يحث المجاهدين على الثبات والصبر على العدو.. رحمه الله..
تلك اخوتي الكرام صفحات مشرقة من تاريخ مقاومة أبناء الترارزة نقدمها اليوم للأجيال الحالية لكي تستلهم منها دروس التضحية والدفاع عن الوطن .. كما ندعو إلى تدريسها للطلبة حفاظا على ذاكرتنا الوطنية وهويتنا الحضارية..