الشيخ أحمد ولد أخديم (1929 – 2017) حياته وجهاده بقلم : سيدي ولد الشيخ أحمد ولد أخديم

الشيخ أحمد ولد أخديم (1929 – 2017)
حياته وجهاده
بقلم : سيدي ولد الشيخ أحمد ولد أخديم
ولد الشيخ أحمد ولد الشيخ احمد ولد إعل ولد أخديم الآكشاري سنة 1929 بمنطقة آوسرد (حاسي معط الله) في الصحراء الغربية، في زمن كانت فيه الأرض تحت وطأة الاستعمار، وكانت الكرامة تنتزع ولا تمنح. لم يكن ميلاده حدثا عاديا في سجل القبيلة بل جاء امتدادا لسلسلة من التضحيات الجسام، فقد نشأ في بيت ارتوى من دماء الشهداء، وتشرب منذ طفولته معنى المقاومة بل كان يعي مفرداتها.
فهو ابن الشهيدين : والده الشيخ أحمد ولد اخديم الذي استشهد سنة 1928 في معركة “التويرمة” في آمساكة ضد القوات الاستعمارية، وجده اعلي ولد اخديم الذي ارتقى شهيدا سنة 1908 في أيكنينت التيكويت أثناء مواجهته للزحف الفرنسي.
هكذا فتح الشيخ أحمد عينيه على الفقد، وتكون وجدانه في كنف أم صابرة وبيئة ترى في الجهاد واجبا أخلاقيا وتاريخيا لا حياد عنه.
كبر الشيخ أحمد في فضاء صحراوي قاس، لكنه كان غنيا بالقيم: الشجاعة، الوفاء، وحفظ العهد. تلقى في صغره مبادئ اللغة والدين، وتعلم الفروسية وتحمل المشاق، فكان الجمع بين العلم والسلاح سمة مبكرة في شخصيته، سترافقه لاحقا في مسيرته النضالية والعلمية.
الهروب من المعسكر الاستعماري (24 ديسمبر 1957)
في الرابع والعشرين من ديسمبر سنة 1957، اتخذ الشيخ أحمد قرارا مصيريا سيغير مجرى حياته ، رفقة ثلة من رفاقه، من بينهم برامي البعراني وويدانه ولد بكاه الموساوي وعبد الله ولد بناني، قرروا الهروب من الحامية العسكرية الاستعمارية الإسبانية بالعركوب لغرض الالتحاق بكتائب المقاومة . كان الليل شديد البرودة، دامس الظلام، والرقابة مشددة، لكن العزيمة كانت أقوى من الخوف.
تسلل الرجال بمحاذاة الكثبان الرملية، زحفا وتخفيا، خشية أن تلتقطهم مناظير الجنود الاستعماريين الإسبان . ومع بزوغ الفجر، دوى صوت سيارات الدفع الرباعي وهي تلاحقهم. استعدوا للمواجهة، متكئين على بطونهم وبنادقهم مصوبة نحو الخطر القادم. غير أن القدر تدخل؛ إذ لمحهم أحد قادة الفرقة الاستعمارية، المسمى بمب ولد اعلي سالم الدليمي، فأدرك أنهم بنو جلدته وأقاربه فأخذته الحمية وأوهم الاستعماريين بصعوبة اجتياز تلك الكثبان، وأمر قواته بالعودة، نجا الفارون بأعجوبة، وواصلوا المسير شرقا نحو منطقة نكجير قرب العيون، حيث كانت تتمركز أقوى وحدات جيش التحرير.
الالتحاق بجيش التحرير ومعارك المواجهة
وصل الشيخ أحمد ورفاقه إلى جيش التحرير يوم 27 ديسمبر 1957، فاستقبلوا استقبال الأبطال. هناك التقى بشقيقه سيدي ولد أخديم ضمن فرقة الرقيبات السواعد، ومكثوا أياما قليلة لإعادة التنظيم والاستعداد. في ليلة 31 ديسمبر، انطلقت المجموعات نحو حامية العركوب لتنفيذ هجوم جريء.
انقسم المجاهدون إلى ثلاث فرق، كل واحدة منها أوكلت إليها مهمة تكتيكية محددة. كان الشيخ أحمد وشقيقه سيدي ولد أخديم ومربيه ربو ولد الشيخ الولي وحويدا ولد برهي الساعدي ضمن المجموعة الت تسللت نحو مخزن السلاح لاغتنام عتاد العدو. لكن عنصر المفاجأة انكشف بعد أن رماهم أحد الحراس بقنبلة يدوية، لتشتعل معركة ضارية دامت قرابة ساعتين، أظهر فيها المجاهدون بسالة نادرة، وألحقوا بالعدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد. مع طلوع الصباح، شنت الطائرات الحربية الاستعمارية غارات عنيفة، ثم لحقها القصف البري. ورغم التفوق الناري للعدو، صمد المجاهدون، وسقط شهداء من خيرة الرجال، من بينهم سلمى ولد اسويدي الساعدي ، و قد تم نقل الشهيد إلى آكركر نواحي اكليب الجديان وتم دفنه هناك. ومع حلول الصباح حامت حولهم أربع طائرات حربية وشنت عدة غارات لتمشيط المنطقة قبل وصول الجيش الاستعماري، وبعد مجابهة كبيرة من المجاهدين سقط الشهيدين الركيبي ولد مرزوك من قبيلة أيت لحسن وأحمد فال آرويجي والعشرات من الجرحى والقتلى في صفوف العدو والذي لم يستطع تجاوز هضبات منطقة أكركر بالسيارات التي تحمل الأسلحة الثقيلة مما ساهم في تراجعه مدحورا من طرف المجاهدين.
انتهت المواجهة بتراجع القوات الاستعمارية، وعاد المجاهدون مساء إلى معسكراتهم في نكجير، حيث استقبلوا استقبال الأبطال تقديرا لتضحياتهم.
المؤامرة الفرنسية – الإسبانية 1958
في مطلع مارس 1958، دخل الصراع مرحلة أشد قسوة، حيث استدعى جيش التحرير مجاهديه من كل البلدان المجاورة لإخطارهم بقدوم قوة فرنسية – إسبانية في حملة لإبادة مشروع جيش التحرير وأن على كل المجاهدين التصدي لها بشن هجمات مشتركة على كل من المستعمر الفرنسي في موريتانيا والإسباني في الصحراء الغربية، فبدأ توافد المجاهدين بكثرة من موريتانيا وبقاع الصحراء الغربية، وكان الشيخ أحمد وأخوه سيدي ولد اخديم وخدة ولد ميشان أخوه من الأم ورفيقاهم محمود ولد برهاه الساعدي الركيبي، وحيدة ولد برهي الساعدي الركيبي وعدد من المجاهدين في كتيبة منفصلة خاضت معارك ضارية بمنطقة الطوارف في تيرس، حيث شنت الطائرات الفرنسية عدة غارات متتالية على المنطقة طوال 15 يوما في تزايد لأعداد الشهداء يوما بعد يوم إلى اليوم الخامس عشر شنت كل من فرنسا وإسبانيا حربا دامية على المجاهدين وحتى على الأطفال والنساء والأبرياء العزل الذين لا دخل لهم في هذه الحرب من قريب ولا من بعيد، في حرب إبادة حقيقية أدت إلى تفكك جيش التحرير وتشتت مجاهديه بين موريتانيا والصحراء، ومنهم من قضى عطشا في الطريق.
الاعتقال والحكم القاسي
بعد تنقلات شاقة، وصل الشيخ أحمد وأخويه سيدي ولد اخديم وخدة ولد اعلي ولد ميشان الدليمي إلى أوسرد، حيث التقوا بوالدتهم منينة بنت ديده السكرانية، فقرروا النزوح جنوبا نحو افديرك بموريتانيا، غير أن الشيخ أحمد ورفيقيه ويدان ولد بكاه الركيبي ومحمد ولد افطيرة التيدراريني اعتقلوا قرب اكليب آمشكل من طرف المستعمر الفرنسي، وسلموا للجيش الإسباني.
نقلوا إلى الداخلة، حيث صدر بحقهم حكم بالإعدام رميا بالرصاص بتهمة الخيانة والفرار بالسلاح. غير أن مرافعة محام إسباني حالت دون تنفيذ الحكم، فخفف إلى السجن المؤبد (30 سنة). قضى الشيخ أحمد ورفاقه 12 سنة منها في سجن بورغوس، وهناك التقى بالمجاهدين الشيخ ولد بوسيف وأحمد بابا ولد الطالب عمار ادليميين.
العودة والمساهمة في البناء الوطني
أفرج عن الشيخ أحمد ورفاقه في إطار اتفاقية سلم بين المغرب وإسبانيا، مع منعهم من دخول الصحراء لمدة ثلاثين عاما استقر الشيخ أحمد في ازويرات مع أسرته، حيث بدأ فصلا من حياته عاملا في الشركة الوطنية للصناعة والمناجم “سنيم”.
رحيل الفارس
في 17 ابريل 2017 ترجل الشيخ أحمد ولد أخديم عن صهوة جواده، بعد مسيرة حافلة بالنضال الوطني والجهاد، حيث نعته الهيئات الثقافية والسياسية في موريتانيا والمغرب بوصفه أحد رجالات التاريخ المعاصر الذين جمعوا بين شرف المقاومة وسمو الجهاد، وتركوا أثرا لا يمحى في ذاكرة الأجيال.